أسس التدين المغربي: مالكية المغاربة (1)

محمد الزاوي2 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 8 أشهر
محمد الزاوي
تمغربيتوجهة نظر
أسس التدين المغربي: مالكية المغاربة (1)

تمغربيت:

محمد زاوي*

أولا: في علاقة الفقه بالدولة

1-المذاهب والدولة

الجاهل بالتاريخ وحده ينكر علاقة الفقه بالدولة، وذلك من جهله بالعلاقة التي تربط بين هذه (=الدولة) وما بُنِي عليه الفقه، أي الدين كأصل لما تفرع عنه من عقيدة أو فقه أو سلوك. لم تكن “دولة العرب” لتتأسس بلا دين، يجمع بالعقيدة شتات قبائلها، ويهذب بالأخلاق بدوية رجالها، وينظم بالفقه أحوال علاقاتهم ومعاشهم وسياستهم.

الانتقال من “رجل القبيلة” إلى “رجل الدولة” تم، إذا، عن طريق الدين، وعن طريق الفقه خاصة. فانتظم الفرد في ذاته، بفقه العبادات؛ وفي علاقته بغيره، بفقه النكاح وفقه الآداب؛ وفي “كسبه وإنفاقه وانتقال ثرواته” بفقه المعاملات من بيوع وأموال ومواريث… الخ.

الفقه، إذن، نتاج مجتمع، وأساس دولة. وعلى الذين يقفون عند الطرف الأول من المعادلة فحسب، على هؤلاء أن يراجعوا أوراقهم. فهم بذلك يحرّفون التاريخ، أي يسلبون الفقه من مجال الدولة في الماضي، ليفعلوا نفس الأمر في الحاضر.

والحقيقة التاريخية تقول إن: المجتمع أنتج الفقه، والدولة امتلكته. بل إن المجتمع أنتجه لفائدة الدولة، ولم يكن لينتجه لولا تلك الحاجة الماسة التي نمت في أحشائه (=المجتمع) للدولة.

ما قيل عن الفقه، يقال عن الدولة. فالأصل حاكم على الفرع، من الدين إلى الفقه، ومن هذا إلى المذهب. فالفقهاء الأوائل، أصحاب المذاهب، لم يكونوا نتاج أنفسهم، ولا كانوا نتاج محض الفقه؛ بل كانوا نتاج مجتمع، نتاج فقه مجتمعي، فقه في علاقة جدلية بالمجتمع، أي في علاقة تأثير متبادل بين متن مرن ومجتمع متحرك. وما المجتمع آنذاك؟ مجتمع تؤثر فيه السلطة، تحدد معالمه إلى حد كبير، حتى لا نقول تنتجه الدولة بشكل كامل.

قد يأتي أحدهم بمثال مضاد هنا، أو هناك، يحاول من خلاله إثبات التناقض بين السلطة والفقيه، في قضية من القضايا. لا يهم ذلك، ولن يصل حد قلب قاعدة التاريخ؛ فالمذهب، حيث أسِّس، أجاب في أغلبه على أسئلة السلطة لضبط سلوك الفرد وتنظيم المجتمع؛ وحيث انتقل، أجاب على أسئلة سلطة أخرى وجدت فيها ضالتها لتحقيق نفس الغاية، الضبط والتنظيم.

لا نتحدث مع أصحاب المنطق الإحصائي، لأنهم ببساطة يجهلون جدل التاريخ. يطالبون بالأدلة التفصيلية، ويغيب عن وعيهم أنها في حاجة إلى جامع يفسرها، وذلك هو التاريخ ولا شيء غير التاريخ. يقفون عند المثال المضاد ليسرقوا الفقه من الدولة، وينسون أن المثال المضاد استثناء يؤكد القاعدة، أو لعله جزء من نفس الجدل القائم بين الدولة والمجتمع، حيث التأثير المتبادل. تبادُل افتقر غالبا إلى تكافؤ، وأنتجته قوة وسائل الدولة مقارنة بالتي للمجتمع. (يتبع)

*متخصص في العلوم الاجتماعية والإنسانية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.