أسس التدين المغربي: مالكية المغاربة (2)

محمد الزاوي5 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 7 أشهر
محمد الزاوي
تمغربيتمجتمعوجهة نظر
أسس التدين المغربي: مالكية المغاربة (2)

تمغربيت:

محمد زاوي*

 

أولا: في علاقة الفقه بالدولة

2-الفقه والقضاء

من الأدلة القوية على ارتباط الفقه بالدولة، ارتباطه بمؤسسة القضاء، سواء أكان هذا القضاء جنينيا يستمد حكمة وفصله من الشريعة مباشرة، أم متقدما يبني على الشريعة بصورة غير مباشرة أو يعود إليها أصولا ومقاصداً لا فروعا.

لقد كان ارتباط القضاء بالدولة منذ أول العهد، فقد كانت وحدته من وحدتها. وليس من باب الخبطة العشواء أن يكون بعض مؤسسي المذاهب قضاة، يعينهم الخلفاء والولاة. خولهم بروزهم الفقهي ليُعيَّنوا قضاة، فكان القضاء مقياسا لفتاويهم واجتهاداتهم، بل لأصولهم التي هي أساس كل مذهب.

ماذا يعني ذلك إذن؟ يعني أن المذاهب تأسست في بطن مؤسسة القضاء، وعلى أعين الدولة. وإذا كان بعض أصحاب المذاهب لم يتولوا القضاء، بل امتنعوا عنه، كأبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس، فإن تلامذتهم ومدوني فقههم كانوا قضاة يخدمون الدولة.

وكما يخاف الخليفة، ولي الأمر عموما، على وحدة الدولة، فهو يخاف على وحدة القضاء. ومن تم كان التماس أحسن الفقهاء وأكبرهم شأنا لمنصب القضاء، تأسيسا للشرعية، وحفظا للوحدة، وإنفاذا لسلطة الدولة على الوجه المطلوب، أي الذي يخدم مصلحة الدولة.

قد يتساءل سائل: ألم تكن للقضاة سلطة حتى يحكموا بأمرهم لا بأمر الخليفة أو ولاته؟ ونحن نقول: لماذا رفض بعض الفقهاء القضاء، يعذَّبون ولا يستجيبون، إذا كان لهم متسع من الرأي في أحكامهم؟ ألم تكن تخيفهم سلطة الدولة؟

ألم يفروا من سلطة إلى أخرى، أي من سلطة قاضي الدولة إلى سلطة فقيه الدولة، مهما ادعى الفقيه المعارضة؟ وإلا فلماذا كتب الإمام مالك -وهو أحد الممتنعين عن تولي القضاء-رسالته في “المواعظ والآداب” لهارون الرشيد؟ ألم يكن فيها ناصحا نصح فقهاء الدولة؟

الفقيه القاضي، والفقيه صاحب الكرسي، كلاهما كانا فقيهي دولة، أنتجا فقه الدولة تحت سقف الدولة. لا وساطة بين الفقيه القاضي والقضاء، والوسيط بين صاحب الكرسي والقضاء قاضٍ يبحث عن حكم. مهما تعالى صاحب الكرسي عن القضاء، أثر فيه وتأثر به. سكوته عن أحكام القضاة حكم، وما السكوت إن لم يكن فعلا أنتجته سلطة الدولة؟!

فلنعطِ، على ادعائنا علاقة الفقه بالقضاء بعض النماذج:

– الإمام أبو يوسف يعقوب القاضي (113-182ه): تولى القضاء في عهد الهادي، وفي عهد هارون الرشيد، وهو أول من لُقب ب “قاضي القضاة”. يمكن أن نتكلم عنه كأول مدوِّن في علم الفقه، نقلا عن شيخه أبي حنيفة النعمان. دَوّن عن الأخير آثاره الفقهية، وجمعها في أول كتاب فقهي تحت عنوان “الآثار”. وخدم مذهب أبي حنيفة بالقضاء، والآثار (المدوّنة المذكورة)، والخراج (كتاب في فقه الأموال لهارون الرشيد)، و”الرد على الأوزاعي”، و”اختلاف أبي حنيفة وأبي ليلى”… الخ. (راجع: “حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي” لمحمد زاهد الكوثري/ “مناقب أبي حنيفة وصاحبيه” لمحمد بن عثمان الذهبي).

– الإمام محمد بن الحسن الشيباني (131-189هـ): وهو تلميذ لأبي يوسف القاضي، وخلفه بعد وفاته في رياسة فقه العراق. لُقّب ب”أبي القانون الإسلامي”، إذ رتب الفقه الحنفي ودونه في مصنفات عدّة، أهمها “الجامع الكبير”، فأشغل الفقه في القضاء، والثاني في الأول (في عهد هارون الرشيد). ولم يكتف بطلب العلم على أبي يوسف فحسب، بل على آخرين أبرزهم الإمام مالك بن أنس (رحل إليه في المدينة). (راجع: “مناقب أبي حنيفة وصاحبيه” للإمام محمد بن عثمان الذهبي/ “الإمام بن الحسن الشيباني : نابغة الفقه الإسلامي” لعبد الغني الدقر)

– الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150-204 ه): تلميذ الإمام مالك بن أنس، وواضع علم أصول الفقه (كتاب “الرسالة”)، وصاحب مذهب فقهي (المذهب الشافعي)، فقيه ومحدث وشاعر. وبالإضافة إلى ذلك، ولعله قبلة أو بالموازاة معه، مارس القضاء. دون فقهه في كتابه “الأم”، ألفه آخر حياته، بعد أن انتقل إلى مصر، حيث رجع عن كثير من أقواله السابقة، وتلك مراجعة لا بد أن للقضاء وملابساته يدا فيها. (راجع: “الإمام الشافعي: فقيه السنة الأكبر” للدكتور الأديب والمؤرخ عبد الغني الدَّقَر/ “مختصر كتاب الأم في الفقه” لحسين عبد الحميد أبو ناصر نيل وهو من علماء الأزهر الشريف)

امتنع الإمام أبو حنيفة عن القضاء، فتم تدوين مذهبه من قِبل قاضيين، هما أبو يوسف والشيباني. وامتنع الإمام مالك عن نفس الوظيفة، فتم تطوير مذهبه في واقع الممارسة القضائية، على يد تلميذه الشافعي، فكان الفقه الشافعي، وكانت الأصول، معيار الفقه (سنرى علاقتها بالدولة لاحقا).

الآن نفهم قول الدكتور مصطفى بن حمزة: “وحدة المذهب، في الدولة، من حاجتها إلى وحدة قضائها”. (برنامج “الشريعة والحياة”، رفقه الفقيه السوري وهبة الزحيلي، على قناة خليجية)

تنبيه:

وجب التنبيه إلى أن اعتبار القضاء للخصوصيات لا يعني عدم انضباطه لأصل ومعيار محدد، ومهما فرضت الخصوصية حكما مخالفا، فهذا الحكم يبقى استثناء أولا، ومقيدا بمرحلة انتقالية –من التعدد القبلي إلى وحدة الدولة -ثانيا. على هذا الأساس، اتفق الفقهاء والقضاة، في مغرب خصوصية القبائل، على عدم تدوين المخالِف في كتب الفقه والفتاوى. المخالف ليس بأصل، غير دائم، مؤقت ينتظر شرط زواله، لذلك يطوى ولا يروى. (راجع كتاب “استبانة” لعبد الله العروي).

*متخصص في العلوم الاجتماعية والإنسانية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.