أسس التدين المغربي: مالكية المغاربة (3)

محمد الزاوي12 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 8 أشهر
محمد الزاوي
تمغربيتوجهة نظر
أسس التدين المغربي: مالكية المغاربة (3)
محمد زاوي

تمغربيت:

أولا: في علاقة الفقه بالدولة

3-أصول الفقه والدولة

-تعريف أصول الفقه 

عرف الأوصليون أصول الفقه بأنها “العلم بالقواعد التي يُتوَصّل بها إلى الأحكام الشرعية العملية المكتسبة عن أدلتها التفصيلية/ وعرفها ابن السبكي، في “جمع الجوامع”، بأنها “دلائل الفقه الإجمالية”.

ولولا الأصول لما كان للفقه وجود. فالفقه فرع عنها وهي الأساس التي تبنى عليه الأحكام، فسمِّيت بذلك أصولا. لولاها لما كان للفقه معنى، فهذا يستمد وجوده من معايير وضوابط، سماها ابن السبكي “قواعد”.

إن الضوابط في الفكر ليست منفصلة عن أساسها الاجتماعي، لا تتحرك منفصلة عنه. بل هي نتاج هذا الأساس، تستمد معالمها منه، وتتحرك فيه.

-تفسير نشأة أصول الفقه

كانت أصول الفقه، زمن الأمويين، مستبطَنة في صَنعة الفقيه، المفتي، القاضي، الإمام، الواعظ. فلم تكن الحاجة قائمة لبروزها واستقلالها بذاتها. الفقه واحد، الاختلاف فيه منحسر لا يفسد معيارا، الصنعة معروفة؛ بلغة أكثر عمقا: الحكم مسيطِر، اختلاف الفقهاء خاضع لسيطرتة (=الاختلاف رحمة)، اجتهاد الفقيه محدود بحدود السلطة.

التهديد الذي سيحيط بكل ذلك، زمن العباسيين، بل وفي فترات متأخرة من حكم الأمويين، هو ما سينتج الحاجة إلى أصول الفقه. أي إلى معيار ينظم الفقهاء، تعمِّمه السلطة على كل بقاع الأرض المفتوحة التي اتسعت أكثر من ذي قبل. واستوعبت الأجناس المختلفة، عربا وعجما.

-تفسير اختلاف المذاهب

تختلف المذاهب، من حيث الأصول، على مستويين:

أولا؛ الاختلاف في الأدلة: فمذهب يأخذ بهذه الأدلة، وآخر لا يأخذ بها ويأخذ بأخرى. مع اتفاقهم جميعا في الأخذ بالأدلة المتفق عليها. وفيما اتفق عليه منها، أي من القرآن والسنة والإجماع والقياس.

ثانيا؛ الاختلاف في تأويلها: فنص وظاهر ومجمل المالكية، ليس هو كل ذلك عند الأحناف. النظر في “الحقيقة والمجاز” ليس واحدا بين المالكية والحنابلة، وليسوا سواء في النظر إلى علاقة المصلحة بالنص أيضا… الخ.

وهذا اختلاف أنتجه اختلاف شروط الولايات تحت الخلافة الواحدة أولا (العراق/ المدينة… الخ). وعززه اختلاف شروط الدول المستقلة القائمة بذاتها بعد ذلك (الشام/ مصر/ المغرب… الخ).

إلا أن هذا الاختلاف يحمل بين طياته ميلا تصاعديا نحو المزيد من الضبط والتقعيد وتقييد نظر المجتهد. من أبي حنيفة إلى أحمد تتأكد هذه الخلاصة (راجع “السنة والإصلاح” لعبد الله العروي).

-أصول المالكية ودولة المدينة

لا يمكن، أيضا، فصل أصول الإمام مالك عن سياقه المكاني والزمني، و”عمل أهل المدينة” قرينة على ذلك. بل هو الأصل في كل ما يحكم به الإمام مالك.

القرآن بتفسير أهل المدينة وما تواتر بينهم، والحديث ما وافق عمل أهل المدينة، والإجماع ما أجمع عليه أهل المدينة. والقياس على طريقة أهل المدينة، والمصلحة المرسلة ما استصلحه أهل المدينة، والاستحسان ما أقره أهل المدينة. والوسائل المفضية إلى مفاسد هي تلك التي حددوها أو على طريقتهم يجب أن تُمنع…إلى غير ذلك من الأصول التي لم يكن للأمام مالك أن يحملها على غير محمل “أهل المدينة”.

القرآن والسنة كأساسين لكل الأدلة، كوحي بميزان “أهل السنة والجماعة”، كلاهما يعتبران من “عمل أهل المدينة”. على سبيل النزول والورود من جهة، وعلى سبيل التأويل من جهة ثانية. وبوضوح نقول: كلاهما من “عمل مؤسِّس المدينة”، عمل فرضته أسباب النزول والورود.

فما المقصود ب”عمل أهل المدينة”؟

وما وجه علاقته ب”دولة المدينة”؟

لمعرفة المقصود ب”عمل أهل المدينة”، نرجع إلى “رسالة الإمام مالك إلى الليث بن سعد”. حيث يقدم إمام المالكية بعض الحجج التي دفعته للأخذ بهذا الدليل.
لا تهمنا هذه الحجج، كمُقام الرسول (ص) ومُستقَر الصحابة والتابعين وأرض التواتر، إلا بقدر ما نعرف من خلالها مدى قوة ارتباط الإمام مالك ب”عمل أهل المدينة”. أي بالضوابط والمعايير والنصوص والأحكام والأقوال والاجتهادات التي أنتَجت “دولة المدينة”. أو تلك التي أُنتِجت في شروط نشأتها وتطورها. أقوال لم يعتبرها ابن حزم الأندلسي مرجعا، خارج إعمال منهجه، لأنه عاش زمنا آخر، ووجد نفسه في سياق “افتتان وانحلال”. فكانت العبقرية، وكانت الظاهرية (مفارقة تعجب لها العروي في “السنة والإصلاح”).

يقول الإمام مالك في رسالته لليث: “فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحدٍ خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحدٍ انتحالها ولا ادعاؤها”.

فما “عمل أهل المدينة” حسب رسالة الإمام مالك؟ أي ما هذا الأمر الظاهر المعمول بالمدينة، والذي لا يرى خلافه؟

هو ما أثر عن الرسول (ص) والصحابة والتابعين. أثرهم الحاكم على كل أصولهم وفروعهم. كان الواقع قبل المفهوم (العروي في “مفهوم الإيديولوجيا”). وكانت الفروع قبل الأصول، وكان “عمل أهل المدينة” قبل باقي الأصول، وكانت الحاجة للدولة قبل نظام الدولة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.