أعطاب الوعي بالقضية الفلسطينية (3) الوعي المثالي

محمد الزاوي26 يونيو 2022آخر تحديث : منذ 5 أشهر
محمد الزاوي
وجهة نظر
أعطاب الوعي بالقضية الفلسطينية (3) الوعي المثالي

تمغربيت:

محمد زاوي

تتعدد صور مفارقة الواقع؛ فهناك من يفارقه بماضٍ متخيل، وهناك من يفارقه بمستقبل متوقع. نفس الأمر يقع بخصوص القضية الفلسطينية، نموذجان لحلها في ذهن بعض أصحابها: الماضي النموذج، الحلم النموذج.

أ- الماضي النموذج:

حيث تتم قراءة القضية قراءة ماضوية، يتم فيها إسقاط الماضي على الحاضر، فتستحيل المعركة “معركة بين اليهود والمسلمين”، والغاية “استرجاع عضو من جسم الخلافة”، والصراع “صراعا أبديا بين الحق والباطل”، ومصالح الأوطان “لاغية أو مهملة في مصالح الأمة”.

يجب أن يدافع المسلمون عن قبلتهم الأولى، يجب أن يدخلوا القدس كما دخلها الصحابي الخليفة عمر بن الخطاب فاتحا، ويجب أن يحرروها استعدادا لنزول النبي عيسى وخروج الدجال، ويجب أن يتهيأوا من خلالها مواجهة “يهود بطيالسة”… الخ.

هكذا تصبح قضية راهنة، بمختلف تفاصيلها، مرآة لخطاب الماضي.

لسنا ضد الخطاب أعلاه، ليس كبداية، بل كنهاية. ليس كوعي بمعركة، وإنما كمحرك لها بعد تحديد منحاها السديد.

لا يطرح المناضل المثالي الأسئلة الجادة السديدة بخصوص القضية الفلسطينية، فمعركتها في ذهنه لا تخرج عن ثنائيات: الله/ الشيطان، المعروف/ المنكر، الحق/ الباطل، الإصلاح/ الإفساد، الخير/ الشر، الإيمان/ الكفر، المسلمون/ أعداؤهم… الخ.

كلها ثنائيات قابلة للتأويل بعد “تحليل ملموس لواقع القضية الملموس”، نوع تحليلٍ غائب عن وعي أصحاب الموقف المثالي. تراهم عاجزين عن صياغة برنامج نضالي خاص بقضية يعتبرونها قضيتهم الأولى، هي القضية الفلسطينية.

من لا برنامج له يسقط في برامج غيره لا محالة، يصبح ضد نفسه وقضيته، إذا وجد من يحسن استغلاله على النقيض من المنحى السديد للقضية الفلسطينية. يقع هذا لكثير من الإسلاميين، بل وحتى مناضلي اليسار، يتحول تأييدهم للمقاومة العنيفة في فلسطين إلى معول في يد “الإسرائيليين” أنفسهم، يؤبدون به المعركة وينفخون منه روحا في “إسرائيل”. بعض الكيانات تعيش بالعنف لا تموت، هنا -وهنا بالضبط- يوظَّف “المقاوم” ضد نفسه ولا يدري.

ب- الحلم النموذج:

إنه تجل آخر من تجليات المثالية. مستقبل القضية في نظر أصحابه صراع لا بد منه، طريق واحد للقضية لا تخرج عنه ولا تحيد. العرب ضد الغرب/ المسلمون ضد أعدائهم/ الجنوب ضد الشمال. كلها معارك قابلة للتأويل، أو لعلها محققة في الواقع السياسي العربي بشكل أو بآخر.

والسؤال المطروح: في أي مادة وصورة تتحقق هذه المعارك؟ كيف يتطور الصراع العربي الإسرائيلي في التاريخ، في واقعه الملموس؟ أسئلة لا بد من الإجابة عنها حتى لا تبقى القضية جامدة في الذهن، على النقيض من حركتها في الواقع.

التحالف العربي المأمول، والتحالف الإسلامي المأمول، بل والتحالف الجنوبي (المشرقي) المأمول؛ تحالفات ممكنة في الواقع؛ في واقع معقد، ليس بسيطا كالذي يتصوره المثالي. حالة من المثالية قد تجعل صاحبها يقف على التقيض مما ينشده، يطلب التحالف ويخرب الطريق إليه.

لا يمكن للتحالف العربي أو الإسلامي أن يتأسس وفق هوى الداعين إليه، بل في ميزان قوى دولي قد يسمح به وقد لا يسمح.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.