أين تنتهي المعارضة؟ وأين تبدأ الخيانة؟

د. عبدالحق الصنايبي15 ديسمبر 2021آخر تحديث : منذ 11 شهر
د. عبدالحق الصنايبي
سياسة
أين تنتهي المعارضة؟ وأين تبدأ الخيانة؟

تمغربيت:

د. عبد الحق الصنايبي*

إن طبيعة الممارسة السياسية في المجتمعات التي تتنفس عبق الديمقراطية، تجعل من وجود المعارضة، بجميع أشكالها، شيء محمود ومطلوب باعتبارها أحد أقدم التعبيرات الرافضة للقبول بوضع قائم أو جديد كيفما كان نوعه. ولقد جسد إبليس أول مظاهر هذه المعارضة “السلبية” عندما اعترض على أمر الله عز وجل وهو ما اضطرنا إلى أن نعيشه إسقاطاته الوجودية إلى الآن.

في هذا السياق، يظل غياب التعبيرات السياسية المعارِضة في أية دولة دليل على طبيعة نظامها السياسي الشمولي والدكتاتوري الذي يتبنى أحد أنساق الحكم المطلق، وهو النموذج السياسي الشاذ الذين لا زالت تعيش تحت وطأته بعض الأنظمة العسكرية التي لازالت تحن إلى مقولة ريشليو “أنا الدولة” (L’Etat c’est Moi).

ولعل أول مشكل وظيفي تعاني منه بعض “المعارضات في المغرب” هو عدم الفصل الإبستيمولوجي والوظيفي بين النظام السياسي والدولة على اعتبار أن هذه الأخيرة تعتبر شخص معنوي تجتمع فيه ثلاثة من العناصر المادية المكونة للدولة وهي: الإقليم، الشعب والسلطة السياسية المنظمة. غير أن بعض المعارضين اختزلوا النظام السياسي في الدولة وبالتالي أخذوا موقع المواجهة ضد جميع مكوناتها.

وفي بلد مثل المغرب، على حداثة تجربته الديمقراطية، فإنه سمح بوجود أنماط من المعارضة التي تنقسم إلى معارضة يسارية وأخرى يمينية، معارضة تمارس نشاطها من داخل منظومة اللعبة الديمقراطية، ومعارضة تنشط وتتحرك على هامش القانون والمؤسسات.

إن طبيعة البيئة الاستراتيجية المغربية دفعت إلى تبني المعطى الديمقراطي مع العمل على الموازنة بين ثلاثة إكراهات أساسية: الأمن والتنمية والديمقراطية وهي الضرورات الثلاث لتعاقد سياسي واجتماعي سليم. وفي ظل هذا المناخ تبقى من مسؤولية السلطة السياسية الدفاع عن المعارضة وضمان وجودها على الساحة وهو ما جعل الدستور المغربي يضمن لهذه الأخيرة دورها ومكانتها من داخل الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية على السواء.

في المقابل، فإن بعض “المعارضات” تبدأ في فقدان تلك الحمولة السياسية الإيجابية وتنزلق في مدارك “الخروج” عندما تحيد عن ضوابط التعاقد السياسي والاجتماعي وتخرج على ثوابت الأمة التي تربط السلطة والشعب، وهنا يبدأ المرء في الانسلاخ عن لبوس الوطنية ويتوجه، عن قصد أو عن غير قصد، نحو تبني أطروحات غريبة عن البنية السلوكية الجماعية للمجتمع المغربي.

ونصل إلى مستوى الخيانة الوطنية أو الخيانة العظمى، وذلك عندما يجعل المعارض أو الشخص العادي من نفسه أداة في يد عدو “لا تربطه به أية تقاطعات سياسية أو إيديولوجية أو دينية” سوى التحالف ضد الوطن وتهديد الأمن والاستقرار لبلده من خلال محاولة إضفاء مشروعية على أهداف العدو لضرب الثوابت الوطنية مقابل منافع مادية محضة.

إن أمثال هؤلاء هم حطب العدو في الداخل وكوانين الفتن ووقود المحن خاصة وأن منهم من دأب على التقية وجعلها جزءا من تعبيره السلوكي اليومي وينتظر ويتربص إلى غاية اجتماع الشروط الذاتية والموضوعية ليكشر عن أنيابه ويكشف عن حقده الخبيث وهو الحقد الذي طالما وصفه تروتسكي بأنه “أسهل معاول الصراع الطبقي”.

وإذا كانت السلطة السياسية تتعامل بحذر مع هؤلاء “المغرر بهم” لاعتبارات مرتبطة بواجهة المملكة وصورتها في الخارج وبالنظر إلى الإكراهات الحقوقية للدولة، فإن الشعب المغربي وجب عليه الحذر ومواصلة فضح هؤلاء المرتزقة في جميع منصات التواصل الاجتماعي وجعلهم مكشوفين للجميع. وعلى المفكرين الشرفاء الاستمرار في ربط خيوط اللعبة واستكمال مربعات الصورة لرصد طبيعة المؤامرة وحجم التآمر لإسقاط مشاريع الأعداء القادمة من الخارج والمترصدة في الداخل، حتى يعلم هؤلاء بأنهم “أشخاص غير مرغوب فيهم وغير مرحب بهم في المجتمع المغربي”.

إجمالا يمكن القول، بأن هذا التوجه الوطني، يجب أن يتم وفق نَفَسٍ جماعي يستحضر رابطة البيعة والولاء والتعاقد المتبادل بين العرش والشعب مع استحضار ما قاله الملك محمد السادس بمناسبة خطاب المسيرة الخضراء سنة 2009 حيث أكد على أنه “آن الأوان لمواجهة هذا التصعيد العدواني، بما يقتضيه الأمر من صرامة وغيرة وطنية صادقة، ووضوح في المواقف، وتحمل كل واحد لمسؤوليته” وقال “وبروح المسؤولية، نؤكد أنه لم يعد هناك مجال للغموض أو الخداع؛ فإما أن يكون المواطن مغربيا، أو غير مغربي. وقد انتهى وقت ازدواجية المواقف، والتملص من الواجب، ودقت ساعة الوضوح وتحمل الأمانة؛ فإما أن يكون الشخص وطنيا أو خائنا، إذ لا توجد منزلة وسطى بين الوطنية والخيانة. ولا مجال للتمتع بحقوق المواطنة، والتنكر لها، بالتآمر مع أعداء الوطن”.

ونختم بمقولة للأصمعي ” سمعت أعرابيا يقول: “إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما قضى من زمانه”.

خبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليقان

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي تمغربيت
  • عبد وادزم18 يناير 2022 - 12:54

    بالفعل لاوجود لمنزلة بين المنزلتين اما ات تحب وطنك وتضحي من اجله او تسقط في حضن العدو وتصبح معول هدم لوطنك..ديما مغرب وعاش الملك والموت للخونة والمفسدين

  • عبد وادزم18 يناير 2022 - 12:55

    ودمت استاذ معولا للبناء للوطن والله يحفظك من شر حاقد اذا حقد