إرهاب الجنرالات

د. عبدالحق الصنايبي20 ديسمبر 2021آخر تحديث : منذ 11 شهر
د. عبدالحق الصنايبي
الأخبار الرئيسيةوجهة نظر
إرهاب الجنرالات
العشرية السوداء

تمغربيت: 

د. عبد الحق الصنايبي*

يقول ابن خلدون في كتابه “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” مقولة تحتاج إلى التدبر من طرف من يخوض في كتب التاريخ وأخبار الأمم والشعوب، حيث يؤكد على أنه “ينبغي إعمال العقل في الخبر”، وهي القاعدة التي وضعها ابن خلدون لتمحيص وتفصيص الحوادث التاريخية وإخضاعها لمشرحة البحث والتحقيق في مصداقية الخبر من مصادره والجرح والتعديل في ذاتيته وموضوعيته.

في هذا الصدد، تبقى إثارة حوادث العشرية السوداء في الجزائر متزامنة مع تصريحات بعض مسؤولي الجارة الشرقية والتي حاولت إقحام المغرب وتحميله مسؤولية عهد المذابح التي عاشتها الجزائر بعد الانقلاب على المسار الديمقراطي سنة 1992م. هذا الاتهام، دفعنا إلى إعادة تناول  هذه الفترة التاريخية وتسليط الضوء على بعض الملابسات التي تكشف المتورطين الحقيقيين في هذه المجازر التي ذهب ضحيتها ربع مليون جزائري لا ناقة لهم ولا بعير في التجاذبات التي عرفتها الجزائر، ولا ذنب لهم إلا أنهم اعتقدوا بأن الانتقال الديمقراطي، في ظل نظام عسكري، يمكن أن يتم عبر صناديق الاقتراع وهو الوهم الذي أطاح بمئات الآلاف ولم يستثني حتى رأس السلطة السياسية محمد بوضياف.

إن تورط النظام الجزائري في توجيه دفة الإرهاب، بدأ بإعلان رئيس الحكومة الجزائرية، آنذاك، رضا مالك عن استراتيجية جديدة في مواجهة الإرهاب من خلال عبارته الشهيرة “على الرعب أن يغير مواقعه” وهي العبارة التي اعتُبرت بمثابة الضوء الأخضر لاستباحة دماء الجزائريين وخاصة في المناطق التي صوتت لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

أمراء الدم صناعة DRS (المخابرات الجزائرية)

إذا كانت الشواهد صارخة ومتواترة في ضلوع النظام العسكري الجزائري في المجازر التي عرفتها العشرية السوداء فإن بعض القيادات العسكرية الجزائرية أكدت بأن تأسيس الجماعات الإسلامية المتطرفة تم داخل مكاتب المخابرات العسكرية، حيث كانت هذه الأخيرة المفرخة التي خرجت منها الحركة الإسلامية الجزائرية (تحولت فيما بعد إلى الحركة الإسلامية المسلحة (MIA)) التي كان يتزعمها عبد القادر شبوطي المدعو “الجنرال”، بالإضافة إلى الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA) التي أسسها منصوري الملياني.

 في هذا السياق، يؤكد العقيد محمد سمراوي في حواره مع قناة الجزيرة القطرية في برنامج “بلا حدود” بأن شبوطي كان يتحرك بسيارة تابعة للمخابرات العسكرية، كما أن أمراء الجماعة الإسلامية المسلحة كانوا صناعة مخابرتية خالصة ومنهم من كان عنصرا في الجيش وفي نفس الوقت ينشط داخل التنظيمات الإرهابية ويقود العمليات العسكرية الانتقامية.

زيتوني “رَجُلُــــنا”:

شكلت إمارة جمال زيتوني (أبو عبد الرحمن أمين) منعطفا في تاريخ الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA) باعتباره أحد أخطر رموز الإرهاب الذي تربعوا على التنظيم خلفا لشريف قوسمي (أبو عبد الله أحمد) ومن أشدهم دموية وأكثرهم تعطشا لسفك الدماء بعد خلف عنتر الزوابري. غير أن “بائع الدجاج” هذا لم يكن، في حقيقة الأمر، سوى دمية بشرية في خدمة جهاز إسماعيل العماري الملقب ب “سماعين”. وحول هذه الشخصية الدموية يقول النقيب أحمد شوشان في شهادته التي نشرها على موقعه على الأنترنت “شاهد من قلب الأحداث” ما نصه “…كان العميد (كمال عبد الرحمن) متكئا فاعتدل ثم قال: المهمة تقوم على قاعدة “انهيار السقف يتطلب نسف الأعمدة”. والأعمدة في العمل الإسلامي المسلح هم السعيد مخلوفي ومحمد السعيد وعبد الرزاق رجام وبعة عزالدين وأمثالهم”. وكردة فعل على هذا المقترح تساءل شوشان قائلا”…لو أنكم طلبتم مني وضع حد للمجرمين الذين يتبجحون بقتل النساء والأطفال ويخرون المدارس كجمال زيتوني وأمثاله لتفهمت طلبكم…وهنا قاطعني طرطاق (اللواء البشير طرطاق) منفعلا: دع زيتوني وشأنه، هو رجلنا”.

إرهاب الجيش يطال رأس الدولة:

يبدو أن الراحل محمد بوضياف (رحم الله) لم يكن عارفا بالبيئة الاستراتيجية في الجزائر وكذا طبيعة موازين القوى، ووقع ضحية وعود الجيش في تمتيعه بجميع الصلاحيات دون تدخل من أحد، وهو ما جعله يحاول ممارسة سلطاته السيادية بعيدا عن وصاية الجيش ومحاولا تعويضها بالحاضنة الشعبية والتي رأى فيها صمام أمان ضد المتحكمين في ناصية القرار السياسي الجزائري.

وأمام تنامي شعبية بوضياف، قرر الجنرالات التخلص منه عبر زرع الملازم مبارك بو معرافي (يدعى عبد الحق) في آخر لحظة ضمن المجموعة المنوط بها حماية الرئيس، وتم تزويده بقنبلة يدوية قام برميها على المنصة الرئاسية قبل أن يوجه رصاصات الغدر نحو الرئيس بوضياف. ويقول العقيد سمراوي أن القنبلة كانت في مكتبه حيث تم حجزها ضمن أحراز قضية “تيلملي” ولا يمكن أن تغادر المكتب إلا بتعليمات مباشرة من اسماعيل العماري الذي كان على رأس مديرية التجسس (DCE).

حاول الجنرالات الإيهام بأن بو معرافي كان عنصرا متعاطفا مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهو الادعاء الذي رد عليه سمراوي في كتابه “كرونولوجية سنوات الدم” حيث أكد بأن بو معرافي كان يعاقر الخمر ولا علاقة له ب”الفيس” لا من قريب ولا من بعيد. كما أن سمراوي أكد بأن الجيش حاول تصفية بو معرافي إلا أنه هرب وسلم نفسه للشرطة بدل أن يسلم نفسه لأصدقائه في الجيش.

إن فتح صفحة سنوات الدم التي تورط فيها الجنرالات ما هي إلا مقدمة لفتح مجموعة من الملفات التي تورط فيها النظام العسكري الجزائري سواء في الداخل أو في الخارج، خاصة وأن مجموعة من القرائن تورط هذا النظام في العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا سنة 1995م، كما أن شهادات لقيادات عسكرية تقطع بأن المخابرات الجزائرية كانت وراء زرع أول تنظيم إرهابي في منطقة الساحل والصحراء.

*د. عبد الحق الصنايبي: خبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.