“الإفطار العلني” وحصون الدولة المغربية..

محمد الزاوي11 مايو 2022آخر تحديث : منذ 7 أشهر
محمد الزاوي
وجهة نظر
“الإفطار العلني” وحصون الدولة المغربية..

تمغربيت:

محمد زاوي*

الدول ليست مدنا فاضلة، الدول أجهزة وإيديولجيات في شروط تاريخية متسمة بالتغير، ثم التحول. المبدأ في الدولة تاريخي، وبذلك تختلف عن الفرد، إذ كثيرا ما يكون هذا الأخير خاضعا لوجدانه، لحاجته الأنطولوجية (=الحاجة للغيب)، لما يحتفظ به التاريخ من واقع “ما قبل الدولة”.

بين الحرية والتحرر وقيود الجماعة:

وليس التحرر من القيود هو معيار الحرية، بل إن هذه لا تتحدد إلا بقيود، وإلا فلا وجود لنظرية نَحُدّ بها مفهوم الحرية. لا حرية للفرد، إذن، إلا في ضرورة الجماعة/ الطبقة/ المجتمع/ الحضارة/ الدولة… أو أي حمولة اجتماعية أخرى. وكلما خرج الفرد عن هذه الضرورة، عرّض للضرر مصالحَه قبل غيره. فيكون كالسفيه الذي يعبث بماله، ويظن أنه يحسن صنعا. فيحتاج الحجر، حفظا لماله ومال الناس.

“الصيام”…في بعده الاجتماعي:

وليس “الصيام” يدا فقهية فحسب، بل هو يدُ فقهٍ يحركها جسمُ مجتمعٍ ودولةٍ. المعطى فيه وجودي، يتميز عن الاجتماعي لا ينفصل عنه. وجوديته من كونه امتدادا لعقيدة، واجتماعيته من كونه عنصرا من عناصر التماسك والانضباط في المجتمع. تحمي الدولة كلا المعطيين، لأنها في حاجة إليهما. المعطى الوجودي كأساس للمعطى الاجتماعي، والمعطى الاجتماعي كمظهرٍ للضبط والسيطرة.

فكيف للذي لا يعي كل هذا أن ينخر البنيان من أساسه تحت قناع حرية مُدّعاة؟

كيف ل”القاصرين” (نظريا) أن يحددوا مصير أمة؟

وكيف لهم أن يقيموا “نص المشرع” على هوى لا على بصيرة، على اضطراب في النفس لا على نظرية في التاريخ، على سفه في الفرد لا على مصلحة دولة ومجتمع؟

إن النقاش، أعلاه، لا يتكلم فيه تخصص واحد، بل تخصصات: الفقه/ التاريخ/ الأنثروبولوجيا/ القانون/ علم النفس الاجتماعي/ سيكولوجيا الأديان/ علم السياسة/ الاقتصاد والاقتصاد السياسي… الخ.

إنه ليس نقاشا بين نقل وعقل، إسلام وحداثة، إسلاميين وعلمانيين. وإنما بين دولة واستهدافها، نظام وفوضى، وحدة وتمزق، تماسك وتفكك… الخ.

فقه الدولة:

لا بد لهذا النقاش أن يستحضر الفقه، أي فقه الدولة. لا ينفصل الفقه عن التاريخ في الدولة، إذن وجب استحضاره لا كمعطى منفصل عن السلطة، ولكن في علاقة جدلية معها. تداخل الفقه وعلم السياسة والتاريخ، إذن، كفيل بفهم جزء أكبر من موضوع “الصيام في المغرب الحديث”.

الدولة المغربية والمعطى التاريخي:

ماذا يقول تاريخ الدولة المغربية؟ يقول إن القديم ما زال حاضرا، يعاد إنتاجه فيصبح جديدا، يتجدد وفق حاجة فلا يموت. تكتسب الدولة المغربية صحتها، في الشرط الحالي/ شرط ما بعد الاستقلال، من “قديم وجديد”، سماهما العروي بتسمية أخرى في كتابه “استبانة”. وما دام الأمر كذلك، فإن القديم مصدر وجود. بذلك يصبح جديدا، والقول بقدامته مجرد ادعاء.

والصيام جزء من هذا الكل، حيث تداخل التاريخ والسياسة والفقه، تستصحبه الدولة وتجدده ليجد له مكانا في المجتمع. فما السبب؟ وما تفسير ذلك؟

تستمد الدولة شرعيتها من الشعب، ويحفظ الشعب وجوده ومصالحه بالدولة. يصوم الشعب فتصوم الدولة، تصوم الدولة فيصوم الشعب. بعبارة أخرى نقول: تحرص الدولة على حماية “صيام الشعب”، ما بقي الصيام فريضة في ذهنيته الجمعية.

للدولة إشكاليات تاريخية، في شرطها الحالي، تستجمع لها كل قواها ومواردها. إشكاليات أساسها الرئيسي التناقض بين المجتمع المغربي والإمبريالية الغربية الجديدة. الصيام من قواعد الإسلام، والإسلام عامل وحدة في الدولة. باستهداف القاعدة يُستهدَف الدين، وباستهداف هذا تستهدف الدولة. تُجرَّد من أهم وسيلة للضبط والتوحيد والتحريك، فتصبح أضعف أمام الأجنبي.

ما وظيفة المشرع؟ وظيفته أن يستوعب كل هذه الشروط، وغيرها، في نص قانوني. يضع النص للواقع، لما يحتاجه المغاربة، لما يحفظ المصالح العليا للدولة المغربية. يجرم “الإفطار العلني”، ليس من محض هواه، وإنما من ضرورة تاريخية.

وأخيرا، نقول: الحرية للناضجين، ويد الدولة بالفقه على “القاصرين” أمر لازم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.