الجزائر…إلى أين؟

الصادق بنعلال20 مارس 2022آخر تحديث : منذ 8 أشهر
الصادق بنعلال
وجهة نظر
الجزائر…إلى أين؟

تمغربيت:

الصادق بنعلال*

1- ما من شك أن كلَ المواطنين العرب يُكنون التقديرَ البالغ للشعب الجزائري الأصيل، ويتمنون له الخير والنماء والاستقرار، وهذا معطى ثابت وسلوك صادق عند العرب من لكويرة إلى البحرين.

لكن في الآن عينه لا يُخفي جلُ المعنيين بالشأن العربي والدولي استغرابهم من الوضع السياسي المضطرب وغير الصحي لبلد المليون شهيد، إذ كيف بدولة مترامية الأطراف حباها الله نعَمَهُ الواسعة وتَتصدرُ موقعا استراتيجيا مركزيا استثنائيا، كيف لهكذا بلد لا يشكو من ارتفاع ديمغرافي مؤثر، وموارده الطاقية تدر عليه قدرا وفيرا من العملة الصعبة، ومواطنوه مجبولون على الابتكار والإبداع في جل الميادين العلمية والفنية والثقافية.. يقبع في أسفل لائحة الدول العربية والأفريقية؟ ما الذي يكبح جزائر ابن باديس وابن نبي ومحمد أركون وأحلام مستغانمي.. من الانطلاق نحو النهضة الشاملة، ويمنعها من أن تكون “قوة ضاربة” وقاطرة للإقلاع الحضاري الإقليمي؟

2- إجهاض أول ربيع عربي منذ حصولها على الاستقلال سنة 1962: اختار أصحاب القرار في الجزائر عن ” طواعية ” نظاما سياسيا عسكريا ” اشتراكيا ” محكم الانغلاق، فالديمقراطية أثناء الحرب الباردة بالنسبة للدول المنضوية في المعسكر الشرقي، كان ينظر إليها أداة ” امبريالية ” بيد دول الاستكبار العالمي، لذلك لم يكن للتعددية الحزبية موقع من الإعراب.

وعلى إثر الانفجار الشعبي الرهيب في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين ارتأت المؤسسة العسكرية الحاكمة أن ”تفسح” المجال لتجربة سياسية ”مخالفة“، بدأت تؤسس لمرحلة جديدة حيث السماح بتأسيس الهيئات الحزبية متعددة الأطياف، وعبّر الشعبُ الجزائري كعادته عن تعلقه ببلده، وعشقِه غير المحدود لوطنه، وانخرطت نخبه بحماس منقطع النظير في تأطير المواطنين وتأهيلهم وإعدادهم لخوض غمار انتخابات ديمقراطية حرة و نزيهة، انتهت بفوز جبهة الإنقاذ الإسلامي المندرجة في سياق الإسلام السياسي المعتدل.

غير أن الجيش كان له رأي آخر: تقويض العملية الديمقراطية ورفض نتائج الانتخابات والانقلاب على الشرعية الشعبية، وإدخال البلاد و العباد في عشرية سوداء حافلة بالصور الدراماتيكية الفظيعة، وكان ذلك أول ربيع عربي يُجهَضُ دمويا في ” الوطن ” العربي !

3 – الحراك الشعبي المغدور وبعد أن تدفقت مياه غزيرة تحت جسر” الأمة” العربية، وانفجرت ساحات التحرير في مصر وليبيا واليمن وسوريا و.. في “ربيع” عربي ثان، مطالبة بحقها في الحرية والعدالة والكرامة كانت الجزائر من ضمن الأقطار العربية القليلة، التي لم تشهد حراكا شعبيا آنذاك بفعل السطوة العسكرية الحديدية، بيد أن لِمسارِ تاريخ الأمم منطق مخصوص، وعلى إثر ” تقديم” الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة ترشحه للعهدة الخامسة، بعد أن أمضى عشرين سنة بالتمام والكمال ” زعيما ” للدولة، اهتز الشباب الجزائري اهتزازا، وانفجر انفجارا في وجه الطبقة العسكرية الحاكمة، التي عرضّت صورةَ بلد الثوار للسخرية والتندر والاستهزاء في الساحة الإعلامية الكونية، هل يعقل أن يفرض الجيشُ، رغم أنف أكثر من أربعين مليونا من المواطنين، رئيسا بلغ من الكبر عتيا، وطوقَهُ المرضُ من كل جانب، حيث لم يعد يقوى على شيء! أليس في الجزائر شباب متعلم وطني طموح مستعد لخدمة بلده بشكل أكثر حداثة وأقل مقامرة؟ هل يستحق الشعب الجزائري المحترم مثل هذه المهازل غير المسبوقة تاريخيا؟

4 – عبد المجيد تبون و”استراتيجية” الاستهداف المغربي وقد أصبنا بإحباط ويأس بالغين من “حكم” السيد عبد المجيد تبون، الذي كنا كمغاربيين ننتظر منه الإقدام على تغيير قواعد اللعبة السياسية ، واقتفاء سبيل الانفتاح والحرية والحوار مع الداخل والخارج وأخص بالذكر المغرب، الذي طالما وقف إلى جانب الأشقاء الجزائريين في الضراء قبل السراء أثناء مقاومة الاحتلال الفرنسي وبعدها، وذلك من أجل بلورة ملحمة النهوض التنموي الشامل وإحداث ثورة “مشاريعية” مفصلية ، تكون منطلقا لغد أكثر إشراقا.

وعلى العكس من ذلك تماما، انخرط ا”الرئيس” الجديد أو جعلوه ينخرط في حملة العداء الأسود والكيد الجاهلي ضد من مد له يد العون والمحبة والأخوة، وطفق يعزف ترانيم الحرب والموت والانغلاق، فلم يقتصر السيد عبد المجيد تبون على إبقاق غلق الحدود البرية بين الشعبين الأخوين التوأمين، بل إنه اجتهد اجتهادا وأصر إصرارا على حرق “كل المراكب”، فقرر قطْع العلاقات الديبلوماسية مع المغرب وغلْق المجال الجوي في وجه الطيران المدني والعسكري، و”تقوية” القبضة الأمنية على الحدود الاستعمارية، والطرد الممنهج لمواطنين بسطاء ذنبهم الوحيد أنهم مغاربة، ووقف العمل بأنبوب الغاز المار إلى أوروبا عبر المغرب، والتهجم السياسي والإعلامي منقطع النظير على المصالح الحيوية للمملكة المغربية وتراثها الحضاري الزاخر بالمعارف الإنسانية الرفيعة …

5 من أجل جزائر الأخوة والتضامن والعمل المشترك وعلى ضوء ما سبق، في اعتقاد صاحب هذه السطور الذي يكن محبة بلا ضفاف للجزائريات و الجزائريين الأفاضل، أنه لا مفر من الإنصات لصوت الشعب الذي يعلو و لا يعلى عليه، و أنه لا مجال للالتفاف على مطالبه المشروعة المتمثلة في القطع مع المسلك السياسي المتقادم منتهي الصلاحية، من أجل التوافق الوطني المفضي إلى فسح الميدان للشباب و أصحاب الكفاءات، للمساهمة في بناء جمهورية جديدة قوامها الديمقراطية المتعارف عليها أمميا، حيث المنافسة الشريفة الحرة على السلطة بين الهيئات السياسية الوطنية دون إقصاء أو استثناء، و الفصل بين السلطات الثلاث و استقلال القضاء و الإعلام، و اقتصار الجيش على مهمته التي خلق من أجلها، حفظ الأمن و الاستقرار والالتزام بالحياد الإيجابي أثناء الصراعات بين الفرقاء المعنيين بتدبير الشأن العام، و العمل على تأسيس تجربة سياسية تكون نموذجا يقتدى به في عالمنا العربي الجريح، و لِمَ لا العملُ مع الدول المغاربية من أجل بلورة محور إقليمي وحدوي واعد.

*إعلامي وباحث أكاديمي 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.