الجزائر المغربية: حقيقة تاريخية وواقع شاذ

زهير شمشوب29 ديسمبر 2021آخر تحديث : منذ 11 شهر
زهير شمشوب
وجهة نظر
الجزائر المغربية: حقيقة تاريخية وواقع شاذ
الجزائر المغربية: حقيقة تاريخية وواقع شاذ

تجدر الإشارة بداية إلى أن الكتابات الجزائرية عندما تتناول تاريخ الجنوب الشرقي للجزائر، خاصة ما تعلق بالغزو الفرنسي، تتحاشى ذكر السلطة المركزية القائمة بالمنطقة آنذاك، و تكتفي بالحديث عن المقاومة الشعبية، و كأنها تفضل التأسيس لغياب سلطة مركزية على أن تذكر حقيقة ارتباط المنطقة -انذاك- بالمغرب و بسلطان فاس.

و الرسالة أدناه، هي من بين آلاف الوثائق المؤرخة لهذا الارتباط الاداري بين هذه المناطق و سلطة المخزن مثلها مثل باقي مناطق المغرب، موجهة من الوصيف محمد بن عمر المراكشي المعين من طرف سلطان المغرب المولى عبد العزيز بن الحسن (1894-1908) على منطقة عين صالح، تبرز وجود مؤسسات المخزن في المنطقة و ارتباط أهلها بالسلطة المركزية في فاس من خلال الحضور الفعلي و علائق البيعة، و هذا نصها مكتوب بخط واضح، نتبعه بقراءة مبسطة لفحواها.

“الحمد لله وحده   و صلى الله على سيدنا محمد و آله

من وصيف سيدنا، يقبل الأرض بين يد سيده و مولاه، […] عن كرمه و علاه، الإمام الأعظم أمير المؤمنين، الذي أمرنا الله بطاعته في القرآن المبين، الشريف السلطان، سيدنا و مولانا عبد العزيز بن أمير المؤمنين، سيدنا المقدس في جنات النعيم، سيدنا و مولانا الحسن، ألف سلام على سيدنا و رحمة الله و بركاته من رب الأرباب إلى مولانا [غير واضح في المتن] عليك، خادمك الذي جعله الله تحت يديك سامعا لأمرك و نصيحا، غلامك محمد بن عمر المراكشي.

و بعد اعلم سيدي بعدما كتبت لك البطائق في تاريخ أول يوم من شعبان، قدم الزائرين للمصطفى صلى الله عليه و سلم من أولف، الذي هو قرب عين صالح راجعين، لأن الطريق سدها من تلك الناحية اللعين و لا وجدوا مسلكا، و ذكروا لنا أن الكافر دخل قصر عين صالح بعد ما قتل منه جميع أخياره، و حركوا إليه أهل أولف و أولاد زنان و كسرهم، و مات منهم مائة و خمسين، و حرك هو مع من بقي في عين صالح لأهل إنغر بلد قرب عين صالح يسمى أهلها بالمرابطين، و توات و تضاربوا معه، و كسروه و مات منه هو أربعين رجلا، و ألزم أهل عين صالح بالمال الكثير كانوا يؤدون ذلك رغما على أنفهم، و هو قائم في عين صالح يبني فيه على نية المقام فيه.

و نحن و أهل توات رجعنا شكايتنا إلى الله و إليك، أن تمن على المسلمين بالفكاكة من الكافر اللعين، و نرى مسيرة سفيان قادمة لحضرة سيدنا مع الأعيان طالبين الاستغاثة و إلا الترحيل، لا قدرة لهم تحت ذمة اللعين.

و اعلم سيدي أن الخنافسة قد اتفق رأيهم و شهدت عليهم رسم التراضي الذي ذكرت لنا، على أن كون عليهم أخوهم الحاج ابراهيم بن الحاج الطاهر، و يكون عليه خليفة، عبد الحي بن علال فلا يفعل إلا بأمره ليتفق و السلام، و كتب في تاريخ […] أيام من شوال عام 1317”.

يمكن تحليل مضمون هذه الرسالة على النحو التالي:

الديباجة، من بداية الرسالة إلى قوله: “و بعد”، و هي على غرار الرسائل المخزنية، تضمنت عبارات فروض الولاء و الطاعة للسلطان ذاكرة خصاله، ممجدة ذكره و ذكر أبيه من قبله، ثم التعريف بمرسل الرسالة، محمد بن عمر المراكشي، الذي أطلق على نفسه لقب “الوصيف” وهو لقب يطلق على المرتبين في الوظائف المخزنية، يرتبط بمرحلة إدماج عبيد البخاري في خدمة السلاطين، ومن الوصفان من وصل إلى مراتب عليا في الدولة، و اشتهر منهم ابا حماد الذي وصل إلى درجة الصدر الأعظم و الوصي على العرش، و الحاكم الفعلي في عهد المولى عبد العزيز، و هي المرحلة موضوع الرسالة، و يبدو أن كاتب الرسالة ينتظم في سلك “قياد” المخزن إذ أعطى لنفسه ألقابا أخرى “الخادم” و “النصيح” و “الغلام”.

أما المتن، فقد تضمن مجموعة إخبارات، أراد من خلالها القائد أن يطلع السلطان المولى عبد العزيز على ما يجري في المناطق الشرقية من سلطنته، و المتعلقة بالتغلغل العسكري الفرنسي في هذه الجهات منذ مراحل ما بعد معركة أسلي 1844 و انطلاق مسلسل الاقتطاعات من الأراضي المغربية و ضمها تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي، و بما أن المناطق المذكورة في الرسالة كانت مناطق تحت سيادة سلطان فاس خلال هذه الفترة التاريخية، فنحن سوف نتناولها وفق ما يمليه المنطق التاريخي للمرحلة موضوع الرسالة، إذ أن المناطق و المدن و القبائل المذكورة كانت جزء لا يتجزأ من الأراضي المغربية.

يتناول موضوع الرسالة ما جرى من أحداث في منطقة عين صالح، و هي ولاية كانت حينها تقع في صحراء المغرب الشرقية على طريق الحج، لكن التدخل الاستعماري جعلها اليوم من مناطق جنوب غرب الجزائر، و تسمى كذلك نسبة لولي صالح استقر بالمنطقة قادما من تافيلالت المغربية.

و أول هذه الأحداث تعطل فريضة الحج، و رجوع الحجاج دون إتمام رحلتهم، بسبب إغلاق طريق الحج على يد المحتل الفرنسي، و الذي كانت الرسائل المخزنية تتورع من ذكره بالإسم و تكتفي بأوصاف من قبيل “الكافر” أو “اللعين” و قد تجمعهما معا فتنعته بـ “الكافر اللعين”.

الإخبار الثاني يتعلق بتطور وضعية المقاومة المغربية حينها، للتغلغل الفرنسي في مناطق الجنوب الشرقي المغربي آنذاك، هذه المقاومة التي كانت من خلال مجموعة معارك منها معركة الفقيقرة 1899 و معركة إينغر التي جرت في 18 فبراير 1900 الموافق لـ 17 شوال من سنة 1317 و هو التاريخ المذكور في الرسالة، و معارك أخرى انتهت باحتلال القوات الفرنسية قصر عين صالح، و جميع توات في الجنوب الشرقي للمغرب.

تذكر الرسالة تفاصيل هذه المواجهات من اجتماع أهل أولف، و هي اليوم مدينة محسوبة من الجنوب الغربي الجزائري ضمن ولاية أدرار، إلى جانب أولاد زنان أو الزنانة وهم السكان الأصليون لأولف، من أجل مقاومته و استشهاد 150 فرد منهم، ثم انضمام بعض أهل عين صالح للقتال إلى جانب الفرنسيين، و هجومهم على بلاد المرابطين و توات، و هي مناطق تقع اليوم جنوب غرب الجزائر و تضم تيكورارين و توات الوسطى و تيديكلت، و قتلهم أربعين رجلا من القوات الفرنسية.

كما تبرز الرسالة تظلم أهالي المنطقة لولي امرهم المولى عبد العزيز، من ثقل الكلف و الغرامات التي فرضتها القوات الفرنسية عليهم، وعزم هذه القوات على الاستقرار بالمنطقة من خلال تشييد مرافق لهذه الغاية.

الإخبار الثالث يتناول انتهاء حالة الصراع حول السلطة بين قبيلة الخنافسة، وهي منطقة واحات في الجنوب الشرقي المغربي انداك، يقضي بإنهاء حالة التنافس حول السلطة بالمنطقة، إذ أجمعوا على أن يولى عليهم واحد منهم، هو الحاج ابراهيم بن الحاج الطاهر، و يعين عبد الحي بن علال خليفة عليه و يكون الأمر بينهما بالاتفاق، و قد أشارت الرسالة إلى أن هذا الاتفاق تم بعد رسم التراضي الذي أوصى به السلطان بين أهالي الخنافسة، مما يدل على ان السلطان كان يعين و يقيل قيادات المنطقة و ذلك من صميم واجباته على رعاياه.

تخلص الرسالة بعد إطلاع المخزن بكل هذه التطورات إلى الغاية التي كتبت من أجلها، و هي طلب تدخل سلطان البلاد من أجل الحد من الاعتداءات الفرنسية، عبر إرسال وفد من أعيان المنطقة طالبين الإغاثة أو الترحيل بذل القعود تحت سلطة “اللعين الكافر”.

لقد واجه المغرب بكل إمكانياته الضغوط الاستعمارية الأوربية عامة و الفرنسية خاصة، سواء بالمواجهة المسلحة أو بالعمل الدبلوماسي و استغلال تنافس القوى الاستعمارية حوله، لكن محاولاته الصمود، و إن كانت قد أجلت موعد إحكام السيطرة الإستعمارية علبه، فهي لم تستطع تغيير هذا المصير المحتوم في ظل استمرار الضغوط و بروز التجاوز، فكان المصير أن اقتطعت أجزاء كبيرة من أراضيه لصالح الجزائر الفرنسية، و أن تتوسع “إيالة الجزائر” لتضم مجالا ترابيا سيطرت عليه فرنسا و ورثه عنها عسكر “الثورة” الجزائري.

زهير شمشوب

المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل بالضرورة آراء وتوجهات الموقع

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.