“السيدة الحرة”: عقدة الإيبيريين الذين رسموا عنها أسطورة كانوا يخيفون بها أبناءهم (2)

مصطفى البختي4 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
مصطفى البختي
وجهة نظر
“السيدة الحرة”: عقدة الإيبيريين الذين رسموا عنها أسطورة كانوا يخيفون بها أبناءهم (2)

تمغربيت:

مصطفى البختي*

…تزوجت السيدة الحرة بالسلطان أحمد الوطاسي في العام 1541م بمدينة تطوان بدل مدينة فاس عاصمة حكمه، ما اعتبر، آنذاك، خروجاً عن العادات والأعراف السلطانية، وهو ما أرجعه البعض إلى قوة شخصيتها. حيث فرضت “السيدة” أن يتم عقد قرانها في مجال نفوذها السياسي، أي في تطوان حيث عاصمة ملكها وهي الحارسة لسواحلها المهددة بهجمات الإسبان والبرتغاليين.

سيقوم السلطان بتعيينها خليفة له على مدينة تطوان ويعود إلى عاصمته لتدبير أمور دولته، وهو ما يقطع بأن خلفية الزواج كانت سياسية محضة، الغرض منها تقوية الدولة الوطاسية شمالاً خصوصاً بعد قيام الدولة السعدية في الجنوب والتي كانت تهدف إلى بسط سيطرتها على كامل تراب المغرب، في فترة تاريخية تميّزت بشبه تفكك للدولة المركزية المغربية، حيث كان البرتغاليون يجاورون شفشاون وتطوان، بعد احتلالهم مدينة سبتة؛ وثلاثة موانئ مغربية أساسية، هي سبتة وطنجة والقصر الصغير.

هذا الإكراه الجيوستراتيجي، دفع السلطان إلى العمل على تثبيت حكمه شمالا، في مواجهة التهديدات الأوروبية، وتعزيز تحالفاته الداخلية لمواجهة منافسيه السعديين، بينما كانت “الحرة”، هي الأخرى، في حاجة إلى دعم السلطان لدعم حكم وتسيير حملات الجهاد البحري ضد الأوروبيين، إضافة إلى تدبير شؤون المدينة ومحيطها داخليا.

هذا الزواج “السياسي” أثار حقد الحكام الأوروبيين، وغضب ملك إسبانيا فيلب الثاني، لأنه رأى في ذلك الزواج تقوية للعلاقة بين مجاهدي تطوان وشفشاون وبين السلطان في مواجهة الأطماع الأجنبية.

بعد نظر “الحرة” ورغبتها في تعزيز حكمها دفعها للتحالف مع القرصان خير الدين بربروس، حاكم إيالة الجزائر، لتقوية الجهاد البحري؛ فاتفقت معه على تقاسم مناطق النفوذ، حيث أشرفت هي على غرب المتوسط من جهة المغرب، فيما قاد هو العمليات في شرقه من جهة إيالة الجزائر العثمانية؛ مما ساهم في الحد على نحو كبير من أنشطة الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية في البحر الأبيض المتوسط، ومحاصرتهم ومحاربتهم؛ لدرجة أن الإسبان أطلقوا عليها لقب “البرباروسة التطوانية”. وأدت قيادتها المتميزة للجهاد البحري إلى تسميتها بـ “أميرة الجهاد البحري”.

وإلى جانب اهتمامها بالسياسة كانت “السيدة” تملك وتدير أسطولا بحريا، وجيشا للجهاد البحري؛ وعملت على تحصين مدينة تطوان لاستخدامها كقاعدة لقتال الإسبان والبرتغاليين. حيث استفادت من عدة دعائم لتقوية أسطولها، وهي: زواجها من السلطان، ونسبها لابن راشد الذي بنحدر من الشرفاء الأدارسة مؤسسي أول دولة بالمغرب، وكونها أختا لرئيس وزراء السلطان الوطاسي، ثم خبرة خالها “فيرناندو مارتين” في الموانئ حيث ساهم في تشكيل جيش للجهاد البحري بمنطقة مرتيل.

لقد كانت سفن البحرية التابعة لها تتخصص في أسر المسيحيين وبيعهم في سوق النخاسة؛ واستطاعت تأمين القسم الغربي من سواحل المتوسط بشكل كامل، مما زرع الرعب في البرتغاليين والإسبان؛ لامتلاكها قوة بحرية قوية متأهبة دائما للقيام بغارات ضد الإيبريين؛ والحد من أطماعهم؛ لتبقى “السيدة الحرة” عقدة الإيبيريين الذين رسموا عنها أسطورة كانوا يخيفون بها أبناءهم.

إنها سيدة التحالفات السياسية بامتياز، فلقد جمعت في الوقت نفسه بين دعم زوجها السلطان أحمد الوطاسي وبين دعم القائد العثماني برباروس الخائض في مواجهة بحرية ضارية ضد الأوروبيين من الإسبان والبرتغاليين.

ولم تكن “السيدة” تتردد في الاصطدام بحاكم مدينة سبتة المحتلة كلما بالغ في التطاول على مجال نفوذها. وحسب سبستيان بركاز فإنها “كانت شديدة الانفعال: ففي إحدى المناسبات تشاجرت مع حاكم سبتة المحتلة (ألفونسو دي نورنها) فلجأت إلى العنف والحرب، لأنها كانت شديدة الاندفاع وميالة إلى الحروب…وكانت مهتمة بتجارة الرقيق من المسيحيين على مستوى عال، وكانت سفنها دوما تجوب البحار، كما أن المراكب الجزائرية كانت تلقى حفاوة بمرسى تطوان…”

وهكذا أصبحت الأساطيل العثمانية المنطلقة من ايالة الجزائر؛ في ظل الإمبراطورية العثمانية التي كانت في أوجها في عهد السلطان سليمان القانوني، تتحرك في احترام تام للسيادة المغربية، وهي السيادة التي فرضتها هذه المرأة المغربية في وجه أطماع الشرق والغرب، وهو ما يقطع بأن المرأة المغربية لم تكن يوما على هامش التاريخ المغربي بل كانت في صلب صناعة القرار السياسي الداخلي والخارجي ونجحت في رسم أمجاد الإمبراطورية المغربية الشريفة.

#باحث في قضية الصحراء المغربية

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.