العدوان على أوكرانيا وتهافت جانب من الصحافة العربية

الصادق بنعلال21 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
الصادق بنعلال
وجهة نظر
العدوان على أوكرانيا وتهافت جانب من الصحافة العربية

تمغربيت:

الصادق بنعلال*

ما من شك في أن أوكرانيا دولة أوروبية استقلت عن الاتحاد السوفياتي السابق عن طيب خاطر واختيار حر، ثم أعلنت عن رغبتها في الانضمام إلى الحلف الأطلسي، وخطت خطوات محترمة في البناء السياسي الديمقراطي، والتشييد التنموي بالغ الأهمية في ميادين التعليم والصحة والاقتصاد والتجارة.. وعصرنة المنجز المجتمعي بعموم اللفظ.

على الجانب الآخر، يبدو أن الدولة الروسية متوجسة من هذا المسعى الأوكراني نحو الغرب، حيث تعتبره فعلا عدائيا مرفوضا قد يشجع بلدانا أخرى كانت جزءا من الفضاء السوفياتي الفسيح على “الارتماء في أحضان العدو”، مما يجعلها على مرمى من قوى “المحور الغربي الليبرالي الرأسمالي”، ويعرض وجودها للخطر!

هذا الأمر حدا بالسيد فلاديمير بوتين إلى إعلان الحرب على الجارة الوديعة بعد أن “تيقن” من فشل الحلول الدبلوماسية السلمية، و”تماطل” الخصوم ورفضهم لتفهم المطالب الأمنية الروسية، وتفاصيل “القصة” معروفة وراهنها دمار وخراب وموت ومأساة إنسانية رهيبة..

لكن ما يهمني في هذا المقال هو موقف عدد غير قليل من الإعلاميين “الكبار” والمحللين الاستراتيجيين “الأشاوس” والمناضلين “الأقوياء” المنتمين إلى دائرة اليسار الاشتراكي “الكهل” أو الإسلام السياسي “العنيف والمعتدل”، حيث وقفوا إلى جانب “الأخ الأكبر” روسيا رمز “النضال والتصدي للإمبريالية والدفاع عن المستضعفين”! لا بل إنهم انخرطوا في استحضار جرائم “محور الشر”؛ أمريكا والدول الأوروبية التي طالما استباحت دولا في مختلف بقاع العالم وخاصة في “الشرق الأوسط”، وعاثت فيه فسادا ودمارا وقتلت مئات الآلاف من مواطنها، في العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان وفلسطين.. وهذا صحيح، وأحرار العالم لا يمكن إلا أن ينددوا بكل لغات العالم وبمختلف أنواع الاستهجان المشروعة بأي اعتداء على أي دولة دون قيد أو تحفظ؟ لكن أن نصطف اليوم إلى جانب العدوان الروسي الشرس، الذي يستخدم كل أنواع الأسلحة المتطورة والفتاكة لفرض شروطه التعجيزية والمذلة على الخصم، لمبررات ومسوغات غير واقعية ولا عقلانية، من قبيل يهودية مجموعة من المسؤولين الأوكرانيين على رأسهم فولوديمير زيلينسكي، ومشاركة أوكرانيا في الحرب على العراق وتماهيها المطلق مع السياسة الإسرائيلية، والنزعة “العنصرية” التي بدت مؤخرا في منع ذوي البشرة غير البيضاء من الخروج من البلاد طلبا للنجدة والحفاظ على حياتهم.. قلت أن نصطف ونؤيد هذه الهجمة الدموية على شعب أعزل، ودولة لا تملك النزر اليسير من أدوات القوة المتوفرة عند روسيا ثاني قوة عسكرية في العالم لاعتبارات سالفة الذكر، فإن ذلك نوع من العمى السياسي والتهافت الأيديولوجي والسقوط الأخلاقي الحر.

إن التشفي والشماتة في مصائب الآخرين من مميزات ضعاف النفوس، ومن رجاحة الرأي أن نرفض كإعلاميين ومثقفين سلوك فلاديمير بوتين العدواني، ليس انتقاما من روسيا كدولة محترمة ذات تاريخ باذخ حافل بالأمجاد الحضارية والتاريخية، وليس نصرة لأوكرانيا التي تربطنا بها علاقة التعاون والاحترام المتبادل، بل دفاعا عن المبادئ والقيم والأعراف الداعية إلى محورية “الوحدة الترابية والوطنية لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والتشبث بمبدأ عدم اللجوء إلى القوة لتسوية النزاعات بين الدول، وتشجيع جميع المبادرات والإجراءات التي تسهم في تعزيز التسوية السلمية للنزاعات”.

يفترض أن نعلن دون مواربة عن رفضنا الحاسم لأي حرب أينما كانت باعتبارها فشلا إنسانيا ذريعا، فلا فرق عندنا بين “عربي وأعجمي” وبين لون وآخر إلا بالمحبة والأخوة والسلام. وخلاصة القول؛ على الإعلاميين والمثقفين الأحرار وأصحاب الأقلام الشريفة أن يدينوا حقيقة وليس مجازا كل أشكال الغزو والاحتلال، سواء صدرت عن معسكر “الشرق” أو حلف “الغرب”، فلا مجال إطلاقا للبحث عن الأعذار والدوافع وراء الاعتداء على أمن وسلامة ووحدة الشعوب.. كل الشعوب

*أكاديمي وباحث إعلامي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.