الماء: أيسر موجود و أعز مفقود (1)

الحسن شلال3 أغسطس 2022آخر تحديث : منذ 4 أشهر
الحسن شلال
وجهة نظر
الماء: أيسر موجود و أعز مفقود (1)

تمغربيت:

موضوع الماء يكتسي أهمية بالغة، خصوصا في عصرنا الحالي…الذي يعرف العالم فيه، تقلبات بيئية كارثية تخص المناخ المتقلب والجفاف ونذرة المياه والتصحر وارتفاع درجات الحرارة والتلوث بأنواعه وإشكالخ الخ

هو موضوع ذو أبعاد متعددة يقتضي منا مقاربته مقاربات متعددة أيضا؛ منها المقاربة الدينية والثقافية الحضارية والاستراتيجية والبيئية الخ.

– فعلى الصعيد الإقليمي لشمال إفريقيا كجغرافيا تعرف قلة على مستوى التساقطات المطرية على مدار السنة…إضافة إلى سنين عجاف وجفاف توالت على هذه المنطقة…أثرت على بلدانها وشعوبها سلبا…كما جعلت المغرب من ضمنها -وهو ما يهمنا- مهددا على مستويات الاقتصاد المعتمد بقوة على المجال الفلاحي والصناعات الغذائية والسياحة.

في هذا السياق، موضوع الماء نراه ملحا في هذه الظروف الحالية، محاولين مقاربته من شتى جوانبه. عسانا نساهم في فهمه وتقدير مقامه وقيمته والتحسيس باهميته البالغة…بقصد الحفاظ عليه والاقتصاد في استعماله واستغلاله…فالأمر جد وجلل وليس من قبيل الترف الفكري…لذلك سنعرض عرضنا هذا عرضا شاملا بجوانبه وضمن سياقاته الدينية والثقافية الحضارية والاستراتيجية والبيئية المتشابكة والمتكاملة فيما بينها.

* نعمة الماء : مقاربة شرعية

– لقد ذكر الماء في القرآن 63 مرة …ناهيك عن الحديث الشريف…كما ذكر الماء في القرآن في سياقات متعددة..منها باعتباره اساس الحياة وأساس الخلق…ومنها باعتباره شرابا صافيا سائغا فراتا…مبرزا أهميته القصوى في صيرورة الخلق والحياة واستمرارها.

وفضلا عن الطابع الجمالي البيئي لمياه الأنهار والبحار والأودية ووو (وجعلنا من الماء كل شيء حي) الآية…(وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) الآية…وتبقى الآيات كثيرة في هذا الشأن. كلها توجيهات وإرشادات بأهمية الماء والتعامل مع ثروة المياه…و*تأسيس شرعي وحضاري لثقافة وحضارة الماء في المجتمع المسلم والمجتمع الإنساني.*

– لقد جعلت الشريعة من الماء ايضا نعمة وثروة يترتب على شكرها وحسن تدبيرها الخير كل الخير…كما يترتب على الجحود والكفر بها نقصها وزوالها.
فالنعم مرتبطة في الشرع بالشكر والحمد …وزوالها مرتبط بالكفر والجحود بها!

وقد ربط الله بين هدى واستقامة وصلاح الأفراد والأمة، بوعد الله لإنزال المطر كعنوان لإنزال الخيرات والنعم التي تأتي كنتيجة لها…كما ربط بين ظلم وفساد المجتمع بنزول القحط والجفاف والأزمات…

ونسرد مثلا واحدا لتوضيح المعنى: ولنأخذ فرضا وواجبا واحدا من أركان الإسلام في حال أضاعه الأفراد والمجتمع…من قبيل فريضة الزكاة وإتيانها أو الامتناع عن أدائها…فنستحضر الحديث الشريف (ما منع قوم زكاة أموالهم الا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا…) الحديث.

من الجانب الشرعي ايضا، والثقافي الحضاري والتاريخي للمسلمين عموما والمغاربة الممثلين لحضارة الغرب الإسلامي تحديدا. فقد تم الاستثمار في الماء بالبوادي والحواضر خصوصا بشكل ملفت…باعتباره عملا ونشاطا من أعمال البر والخير والتطوع والإحسان والصدقة الجارية التي ينتفع بها المرء حتى بعد وفاته وانقطاع عمله…لما فيه من منفعة للانسان والحيوان والطير والزرع والمجتمع…ومنذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوقفون أوقافهم من حفر للآبار وجلب للماء وبناء للسواقي قصد توزيعه وتقريبه للناس ووو
– ولعل النموذج المغربي من بين كل الدول الإسلامية يعد ويبقى الأبرز- تاريخيا – في مجال الاستثمار في الماء…حيث أن وقف وحبوس الماء كان دائما حاضرا وبقوة لدى المغاربة…كثقافة راسخة متجذرة في المجتمع إلى يوم الناس هذا…من بناء صهاريج وخطارات وسقايات وحفر آبار وسواقي الخ
– فهذا سلطان العلماء العز بن عبد السلام يفتي بعدم الوضوء في صهاريج اوقفت من أجل الشرب الا لضرورة قصوى…فما أوقف للسقي فهو له حصرا…حفاظا على الثروة المائية وخصوصية ما خصصت له دون تجاوز.

وهاهم علماء المسلمين يفرقون بين الماء الطهور والماء الطاهر والماء النجس في تدقيق عال الدقة…مع تبيان الفروق في استعمالها بين الوضوء والطهارة والسقي الخ ، حفاظا عليها و حكامة جيدة في تدبيرها.

وهاهو ابو زكريا الاشبيلي في القرن السادس الهجري…يبدع في استعمال تقنية توزيع الماء بالتنقيط (goûte à goûte). وذلك بوضع جرتين بهما ثقب أسفلهما عند كل شجرة لتقطير الماء بسلاسة، وبالمقدار الضروري من الماء لسقيها.
فالشرع كرس لثقافة استعمال الماء باقتصاد من جهة…وبما يكفي أو بالضروري منه فقط من جهة ثانية وباستعماله لما خصص له تجنبا لاهداره ولو تعلق الأمر بالوضوء.
نخلص ونستنتج اذا أن الأمة المسلمة “لديها ثقافة وحضارة الماء…ذلك أن التعامل مع نعمة وثروة الماء جزء من الشريعة ” (د. مصطفى بنحمزة)

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.