المغرب وكينيا: حين ينجح الأكاديمي فيما أخفق فيه الدبلوماسي

د. عبدالحق الصنايبي16 ديسمبر 2021آخر تحديث : منذ 11 شهر
د. عبدالحق الصنايبي
سياسة
المغرب وكينيا: حين ينجح الأكاديمي فيما أخفق فيه الدبلوماسي

تمغربيت:

إن المتابع لتطور الأداء الدبلوماسي المغربي لا يمكن إلا أن يُقر لا أحد بنجاعة السياسة الخارجية للمملكة في العقدين الأخيرين، خاصة مع تغير المنطلقات الاستراتيجية التي أصبحت تحدد السلوك الخارجي للمملكة المغربية.

 وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدبلوماسية المغربية، بقيادة المؤسسة الملكية، راهنت على استراتيجية تقترب من الرسم الذي وضعه العسكري الألماني مولتكه والذي أطلق عليه “الأوفترايغستاكتيك” (L’Auftragstactik : la mission commande) وهي الاستراتيجية التي تعتمد على منح المسؤولين اللامركزيين في التمثيليات الدبلوماسية وباقي الفاعلين في مجال الدبلوماسية الموازية هامش كبير من حرية التحرك والتناول بعيدا عن التعاطي الكلاسيكي والذي كانت يعتبر بعض القضايا الوطنية وعلى رأسها قضية “الصحراء المغربية” مجالا محفوظا للمؤسسة الملكية في غياب أي هامش للمساهمة من طرف باقي الفاعلين الاستراتيجيين أو السياسيين أو حتى المدنيين.

وحسب هذه الاستراتيجية فإن “التوجيهات” يجب أن تحدد فقط الخطوط الكبرى لتصور السلطة السياسية وإعطاء الفرصة لباقي المتدخلين للمساهمة في التنزيل العملياتي وأجرأة الهدف السياسي الأسمى للدولة. وعلى ضوء هذا التوجه يتحمل الدبلوماسي مسؤولية الانفتاح على جميع المسؤولين والإعلام ومجموعات الضغط من أجل شرح المواقف الدبلوماسية المغربية وتقريب وجهات النظر والبحث عن السبل الكفيلة للرفع من أسهم المقاربة التشاركية بين البلدين في إطار منظومة رابح-رابح.

على هذا المستوى من التحليل، فإن مسؤولية الأجهزة المركزية هو رسم الاستراتيجيات المفاهيمية حسب البيئة الاستراتيجية لكل دولة على حدة في الوقت الذي تقوم به التمثيليات الدبلوماسية بالتنزيل العملياتي بما يتناسب وحالة كل دولة مع الاخذ بعين الاعتبار الأدوات والوسائل التي تتوفر عليها التمثيلية الدبلوماسية.

هذه التوطئة المنهجية نعتبرها مقدمة ضرورية للحديث حول العلاقات المغربية-الكينية والتي تعرف طفرة نوعية في ظل التحول الواضح في مواقف هذا البلد المهم اتجاه قضية الصحراء المغربية، بعد أن ظلت كينيا، ولعقود، مجالا حيويا للدفاع وتبني الأطروحة الانفصالية وداعما أساسيا للجبهة الوهمية في تناغم مع توجهات العراب الرئيسي لجمهورية الوهم ممثلا في نظام الجنرالات في الجزائر.

وإذا كانت مجموعة من التراكمات الموضوعية قد ساهمت في هذا التغيير، وعلى رأسها المناخ الديمقراطي الذي أصبحت تتمتع به كينيا بالإضافة إلى تغير اتجاه صناعة القرار السياسي والذي أصبح يتبلور من الأسفل إلى الأعلى، فإن البنية لسلوكية لسفير المملكة المغربية في نيروبي الأكاديمي المختار غامبو أعطت نفسا جديدا للعمل الدبلوماسي وأحدثت طفرة في تكتيكات التحرك والاختراق رغم أن هذه الشخصية الأكاديمية لبست، متأخرة، جبة الدبلوماسي وتحركت من خلالها ونجحت في التقيد بالأعراف والضوابط الدبلوماسية والتي يستطيع المرء تملكها دون كبير عناء.

إن نجاح هذا البروفايل الأكاديمي/الدبلوماسي مرده، في اعتقادنا، إلى معطى أساسي يغلب على باقي المبررات التي يمكن أن تنحصر في التكوين الأكاديمي والضبط اللغوي (اللغات الحية) والتمكن من العقيدة الأنكلوساكسونية المتجذرة في بلد مثل كينيا. وهنا نعتقد بأن التنزيل الاستراتيجي لتحقيق الهدف السياسي الأسمى يمر عبر مستويين مترابطين: هناك المستوى المفاهيمي: حيث يتم تكييف مجموعة من الاستراتيجيات وإسقاطها على البيئة الاستراتيجية لأي بلد على حدة، وهناك المجال العملياتي (الاستراتيجية العملياتية) والتي يقوم بها الجهاز التنفيذي الذي يقوم بتنزيل وأجرأة هذا الرسم الاستراتيجي.

ومن خلال حالة التمثيلية الدبلوماسية في كينيا (وأكيد هناك أمثلة ناجحة أخرى)، نجد بأن رئيس البعثة الدبلوماسية المغربية زاوج بين الإلمام بالمجال المفاهيمي وكذا التمرس على مستوى التنزيل العملياتي للرسم الاستراتيجي وهو ما نعتقد أنه قليل الحدوث لدرجة أن اللغة العربية لا تعطينا فرقا بين المفهومين اللذان نقف على التمايز بينهما بشكل واضح في المعجم الغربي (Stratège et stratégiste).

إن المتابع لدينامية التمثيلية الدبلوماسية في كينيا يقف عند الدور المحوري لشخصية السفير المغربي والذي استطاع أن يستثمر في الرصيد المعرفي الذي راكمه كمتخصص في العلاقات الأمريكية الإفريقية، بالإضافة إلى استغلال رصيده السياسي كنائب برلماني عن إقليم الدريوش حيث تمرس في أركان الدبلوماسية البرلمانية وهو ما رشحه لتولي هذا المنصب الدبلوماسي الرفيع. ويبقى من ثمرات هذه التقاطعات الأكاديمية والسياسية والدبلوماسية أن سفارة المغرب في نيروبي نجحت في التنزيل الفعلي لمجموعة من الشراكات اللا مركزية بين جهات المملكة، كمؤسسات دستورية قائمة الذات، وبين مجموعة من البلديات في جمهورية كينيا، ونخص بالذكر الشراكة التي تم توقيعها بين جهة الرباط-سلا-القنيطرة وبلدية مومباسا بالإضافة إلى الشراكتين المزمع توقيعهما قريبا بين نفس الجهة وبلدية كيسومو وأيضا الشراكة بين جهة الشرق وبلدية بارينغو.

على مستوى البيئة الاستراتيجية الكينية، بدأت معالم نجاح الدبلوماسية المغربية واضحة وجلية من خلال التواجد القوي للصوت المغربي في المنتديات الكينية في ظل تراجع الأداء الجزائري الذي لا يملك من الأدوات والوسائل سوى لغة المال ومنطق شراء الذمم، وهو التكتيك الذي لم يعد يجد له صدى خصوصا مع تحول التفاعلات الوظيفية والبنيوية في بلد مثل كينيا يعيش على إيقاع التطور السريع بنيويا ووظيفيا وحضاريا.

ولعل المواقف التي خرج بها نائب الرئيس الكيني وليام روتو (وهو المرشح بقوة لخلافة الرئيس الحالي أوهورو كينياتا) لخير دليل على هذا التغير الاستراتيجي في تعامل نيروبي مع قضية الصحراء. وليام روتو ثمن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ سنة 2007م واعتبرها الحل الوحيد لطي ملف الصحراء المغربية. كما وجه روتو انتقادات شديدة اللهجة للجزائر وطالبها بتخصيص الأموال الطائلة التي تنفقها حول الأطروحة الوهمية لفائدة الشعب الجزائري، والذي يبقى أحق بها من غيره.

إن التعبيرات السياسية التي صرح بها وليام روتو هي نفسها التي صدرت عن مجموعة من الساسة الكينيين والذين اقتنعوا بأن الرهان على المغرب في إطار شراكات رابح-رابح على المدى البعيد ستعود بالنفع على شعبي البلدين، وبأن الرهان على كيان وهمي، لا وجود له إلا في مخيلة البعض ومقعد يتيم في الاتحاد الإفريقي، سيساهم في تعميق الشرخ الإفريقي في الوقت الذي يراهن الجميع على ضرورة تحقيق السيادة الإفريقية على جميع المستويات وهو ما يبقى هدفا ممكن التحقق بشرط ثقة الأفارقة في أنفسهم والحسم في المشاكل المفتعلة والتي جعلت من المجتمع الإفريقي لقمة صائغة من طرف من جعل من إفريقيا “قارة مستباحة” لا حق لها في التنمية ولا حظ لها في التقدم والالتحاق بركب الدول المتقدمة والتي بنت جزء من اقتصادياتها وتطورت على حساب عرق وثروات الشعوب الإفريقية.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.