النظام الجزائري: من الثورية المستبدة إلى الديكتاتورية العسكرية

مصطفى البختي27 فبراير 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
مصطفى البختي
وجهة نظر
النظام الجزائري: من الثورية المستبدة إلى الديكتاتورية العسكرية

تمغربيت:

مصطفى البختي*

بعد تأسيسها سنة 1962، دخلت الجزائر في مخرجات الدولة القطرية التي كانت منتوجا فرنسيا خالصا؛ فانحازت للتوجه الاشتراكي والحزب الواحد الذي عزز من قابلية الاستبداد فأصبح نظام الحكم ينطوي على نواة صلبة هي سلطة الجيش، تقوم على سياسة فوق الأحزاب ومؤسسات الدولة، وتعمل على تحريك خيوط اللعبة السياسية وتفريخ رؤساء يمثلون دولة العسكر مع أنهم مجرد واجهة مدنية لنظام استبدادي تسهر على تمرير الأوامر العسكرية والقرارات التي يتخذها الجنرالات.

من هذا المنطلق، أصبحت المؤسسة العسكرية هي الوصية السياسية على الشعب الجزائري؛ في التفاف على روح الثورة ودستور 1963؛ والميثاق الوطني سنة 1976.

فمنذ أن احتل جيش الحدود البلد بقوة السلاح، بعدما انقلب على “حكومة الجمهورية الجزائرية المؤقتة” الشرعية، والجزائر تعيش تحت نظام مغلق رافض لمسألة التداول على الحكم؛ وتشكل فيه الفئة المدنية زاوية لاستغلالها كواجهة لإخفاء بشاعة الحكم العسكري.

ومنذ ذلك العهد فُرض مفهوم الشرعية الثورية؛ بنهج قادة جبهة التحرير أسلوبا سلطويا عنيفا في علاقتهم بالشعب الجزائري، وذلك من خلال فرض الإنتماء المشخصن والزبونية السياسية وعدم معارضة أو مناقشة القرارات العسكرية التي يصوغها تنظيم شمولي TOTALITAIRE.

أمام هذا التنظيم العسكري الصلب، لا مكان لشرعية سياسية خارج رموز تلك الشرعية الثورية، في تقلّد المسؤوليات السياسية وتعاقبها على السلطة بادعائها المزعوم أنها تجسّد مطامح الشعب، مع مواصلة إقصاءها لجميع أشكال المعارضة حتى وإن كانوا من داخلها؛ لتبقى السلطة لدى الفئة الحاكمة الفعلية باسم الجيش.

إن هذه اللعبة المُحْكمة والقذرة تَوَاتَر عليها النظام، وصارت عنده قاعدة للطبيعة الديكتاتورية للنظام الذي يحكم البلاد وفق جدلية الصراع التي حكمت السنوات الأولى لاندلاع ثورة التحرير سنة 1954. حيث شهدت صراعات بين قاداتها؛ كالصراع الذي نشب بين جماعة الداخل والخارج في قيادة الثورة وبين جيش الحدود والثوار؛ كمؤتمر طرابلس لجبهة التحرير في 27 يونيو 1962؛ وصراع “صائفة 1962” بين جيش الحدود بقيادة احمد بن بلة وهواري بومدين بوخروبة، من جهة، وجيش الداخل بقيادة يوسف الخطيب وصالح بوبنيدر وفرحات عباس أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة، من جهة أخرى.

وبعد انقلاب بوخروبة على بن بلة سنة 1965، عمل على تثبيت أركان الحكم العسكري المطلق مستغلا فرصة الانقلاب الفاشل الذي قاده رئيس الأركان الأسبق الطاهر الزبيري سنة 1967، فتم ترسيخ قاعدة الإيقاع بين قادة الثورة والتنكيل بالأصوات المعارضة لسياسة السلطة العسكرية.

لقد لجأ الكثير منهم إلى انتحال صفة الثورية للوصول إلى مناصب ورتب عليا في الدولة والجيش. فأحمد بن بلة كان رقيبا في الجيش الفرنسي هو الذي نصّبه هواري بومدين / بوخروبة وجماعته ليطيح به ويأخذ الحكم منه بالقوة باسم التصحيح الثوري في العام 1965، مرورا بتنصيب عسكري آخر هو الشاذلي بن جديد، على رأس الدولة من طرف العسكر إثر وفاة بوخروبة سنة 1978.

وفي 1992 دفع العسكر بن جديد إلى الاستقالة مرغما. ثم جاء الدور على محمد بوضياف الذي كان منفيا في المغرب، والذي تم اغتياله بعد مرور 6 أشهر فقط على مقامه في قصر المرادية؛ حيث طالته أيدي الخيانة والغدر من داخل دار الثقافة في عنابة.

وفي 1994 جاء الدور على جنرال آخر هو الرئيس ليامين زروال والذي استقال هروبا من ضغط عسكر نادي الصنوبر وتدخلاتهم في مهامه فوقع اختيارهم على عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999، الذي مكث في الحكم 20 سنة؛ والذي عرفت نهايته حراكا شعبيا رافضا لعهدة خامسة في ظل وضع صحي متأزم دفعه للانسحاب/الإستقالة. وعين الجيش عبد القادر بن صالح كرئيس مؤقت للدولة، وبعده جاء الرئيس المعين عبد المجيد تبون في 2019.
وبقيت الجزائر تعيش لعنة عدم استكمال رؤسائها لعهدتهم؛ نتيجة الإنقلاب أو التصفية او التنحية من قبل قادة عسكرها المتسلط.

فنظام الكازيرنات وباستيلائه على مقدرات الشعب الجزائري لخدمة أحنداته الضيقة أصبح الفساد فيه ذو طبيعة مؤسساتية؛ تغذيه الرغبة في حماية “نخب الريع” لاستدامة بقائها في السلطة وتعزيز تحالفات الطغمة العسكرية الضيقة كروتين سياسي لتبرير اختياراته عبر سياسة تبادل الأدوار؛ تحت حماية القوة وليس القانون؛ كأسلوب أحادي، استبدادي وغير ديمقراطي. هذا الوضع لخصه مؤرخ الثورة الجزائرية؛ محمد حربي بالقول “الجزائر ليس بلد يملك جيشا، وإنما الجيش هو الذي يحتل الدولة”.

وعلى هذا الأساس من الصعب الانتقال إلى نظام مدني في الجزائر؛ في ظل طغمة الثكنات إلا من خلال “حراك” يقلب علاقات الإنتاج داخل الدولة ويعيد السلطة إلى صاحبها الشرعي “الشعب”

*باحث في قضية الصحراء المغربية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.