تاريخ الدولة المغربية (2): التأسيس الأول للدولة

محمد الزاوي29 مارس 2022آخر تحديث : منذ 8 أشهر
محمد الزاوي
تمغربيتمجتمعوجهة نظر
تاريخ الدولة المغربية (2): التأسيس الأول للدولة

تمغربيت:

محمد زاوي

1-مقدمات التأسيس

تأسست الدولة (انطلاقا من المدينة المنورة) في شبه الجزيرة العربية على يد الرسول العظيم محمد (ص)، وأخذت تتوسع شيئا فشيئا، إلى أن بلغ سهمها بلاد المغرب منذ خلافة عمر بن الخطاب (ض)، وبعده عثمان بن عفان (ض)، ليتعزز هذا التواجد على يد الأمويين فيما بعد.

وعموما، فقد مر الفتح الإسلامي، لأرض المغرب، بمرحلتين:

– المرحلة الأولى (642-708 م): مرحلة الفتح العسكري

اتسمت المرحلة الأولى للفتوحات الإسلامية في بلاد المغرب بالكرّ والفرّ، فساد فيها عدم الاستقرار والتركيز أكثر على استيلاء الأرض وفرض الأمن والنظام فيها ومواجهة متمرديها حماة الفوضى والرق في مرحلته الرجعية. عمرو بن العاص، عبد الله بن سعد بن أبي سرح، معاوية بن حديج، عقبة بن نافع، أبو المهاجر دينار، زهير بن قيس البلوي، حسان بن نعمان الأزدي الغساني، موسى بن نصير، طارق بن زياد… هؤلاء وغيرهم، هم قادة المرحلة الأولى من الفتوحات الإسلامية في بلاد المغرب،

– المرحلة الثانية (708-788 م): مرحلة الفتح العلمي والدعوي

وفي المرحلة الثانية، أصبح المغرب غير المغرب. وبعدما كان التعليم والدعوة يظهران على استحياء –أو لا يظهران إلا على سبيل عرض الدعوة الجديدة على الجيوش المحارِبة بداية -بمبادرة من قواد الجيش- أصبحا فعلا مؤسسا وموجها ومخططا له تحت حماية الجيش.

2-خبر التأسيس

بعد أن استتب الأمن في بلاد المغرب، استمرت الدعوة إلى الإسلام قرابة ثمانين سنة (708-788 م)، وكأن الأقدار كانت في انتظار المولى إدريس الأول، يؤسس بتلك الدعوة دولة المغرب.

كان المولى إدريس الأول (إدريس بن عبد الله) هو أول من وطئ لدولة قادمة في بلاد المغرب، وقد حماه وأمّنه زيدية مصر بعد فراره من موقعة فخ (1) إلى مصر، كما يسّروا خروجه منها إلى برقة، فيما سيتولى تجار المعتزلة إتمام مهمته بدخول المغرب (أمنوا رحلته من برقة، فالقيروان، فتلمسان، إلى أن بلغ طنجة)أ، إذ تكفلوا بأمر رحلته إلى المغرب الأقصى.

وعند بلوغه المغرب، نزل وليلي عند إسحاق الأوربي. وكان إسحاق الأوربي أول من بايعه، لِما رأى فيه من خصال حميدة وقابلية لأنْ يُحَكّم في القبائل البربرية. وفي الجمعة 6 فبراير 789 م، بايعته قبيلة أوربة. وبعدها، توافدت على بيعته القبائل البربرية تباعا: زناتة، مكناسة، غياثة، غمارة، وغيرها من القبائل الأخرى.

كانوا في حاجة إلى حكَم يُحكَّم فيهم، فوجدوا تلك الضالة في المولى إدريس. (2)

3-خطبة التأسيس

وكانت خطبة التأسيس، التي ألقاها المولى إدريس الأول على القبائل، غاية في الحكمة والفطنة السياسية. يقول فيها المولى إدريس:

“الحمد لله الذي جعل النصر لمن أطاعه، وعاقبة السوء لمن عانده. ولا إله إلا الله (المتفرد بالوحدانية)… أدعوكم إلى (كتاب الله وسنة نبيه)، وإلى (العدل) في الرعية و(القسم بالسوية). اعلموا عباد الله، أن الله أوجب على أهل طاعته (المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليد واللسان)، وفرض (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)”.

يعلق محمود إسماعيل على هذا النص من الخطبة:

“وتنم هذه الخطبة عن براعة سياسية، إذ حرص إدريس على إرضاء كافة القبائل على اختلاف مذاهبها. فقد استرضى أهل السنة حين دعا إلى “كتاب الله وسنة نبيه”. كما استرضى الخوارج حين نص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وتعبر أقواله في “التوحيد” و”العدل” عن حرصه على كسب المعتزلة”. (3)

نسجل ما قاله محمود إسماعيل، ونؤكد:

– استمرار القبيلة في ثوب المذهب أو الفرقة، وهو ما حاول المولى إدريس الأول تجاوزه بعدة مواقف: استدعاء عقيدة التوحيد لوظيفتها السياسية (تأسيس الدولة)، عدم ذكر مذهبه الخاص في معرض خطبته، حرصه على التأليف بين القبائل البربرية انطلاقا من مذاهبها لا من انتمائها القبلي.

– إشارة المولى إدريس إلى ما تتطلبه الدولة من صرامة في عبارتين: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، “مجاهدة أهل العداوة والمعصية باليد واللسان”.

– ذكره لما سيجنيه المغاربة من تأسيس الدولة بقوله “القسم بالسوية”.

4-تفسير التأسيس

لقد كان الفتح بالقرآن، في أرض المغرب، سابقا على الفتح بالسلطان. إذن، فلنطرح السؤال التالي: ما تفسير إقبال المغاربة على دين الإسلام من غير قوة ولا سلطان أول الأمر؟ لا بد أن حاجة ما دفعت المغاربة دفعا إلى دين التوحيد، فاعتنقوا عقيدته كأساس لدولة قادمة، لدولة تنتظر شرطها السياسي لتخرج للوجود.

كان التوحيد، بالنسبة للمغاربة، أساسا إيديولوجيا للدولة؛ أساسا افتقروا إليه، فكانت محاولاتهم لتأسيس دولتهم دائما ما تنتهي بالفشل، تعوزهم فيها العقيدة الجامعة. كانت كل كونفدرالية قبلية سرعان ما تنشطر على نفسها، لتنتج “تاقبيلتاتها” من جديد. فالأساس العقدي (الإيديولوجي) الذي من شأنه أن يكرس الوحدة كان مفقودا، فتأخرت الدولة.

وهكذا، سبقت الإيديولوجيا الجهازَ إلى أرض المغرب، فما كان من الأدارسة إلا أن أكدوا تلك الإيديولوجيا وأولوها، ثم استثمروها في وضع جهاز الدولة.

هوامش:

(1): موقعة فخ: معركة وقعت عام 786 م، على إثر ثورة العلويين على العباسيين، وقد كان العلويون تحت قيادة الحسين بن علي العابد، ورفقته كان المولى إدريس الأول باعتباره من أبناء عمومته.

(2): محمود إسماعيل، الأدارسة في المغرب الأقصى: حقائق جديدة، مكتبة الفلاح، الطبعة الأولى، 1989، الفصل الرابع من الباب الأول.

(3): نفسه، ص 61-62.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.