تقوية “العقيدة الوطنية” في مواجهة استقطابات التنظيمات التكفيرية (2)

رئيس التحرير8 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
رئيس التحرير
تمغربيتوجهة نظر
تقوية “العقيدة الوطنية” في مواجهة استقطابات التنظيمات التكفيرية (2)

تمغربيت:

د. عبد الحق الصنايبي*

وردا على الأطروحات التي تختزل المفاهيم الوطنية في مجرد انفعالات بشرية لابد من مقاومتها والبراءة منها،  يقول د. أسامة الازهري: “هذا فهم سقيم، وخلط غريب بين المشاعر الخبيثة الآثمة، التي أمرنا الله تعالى أن نتنزه ونتسامى عليها، وبين المشاعر النبيلة، والدوافع الفطرية الراسخة، التي اكتفى الله تعالى بها، واعتمد الشرع على شدة ثباتها في النفس الإنسانية، وأنه بسبب استقرارها وثباتها في النفس فإن الشرع لا يحتاج إلى تقنين تشريع لها، لأن دوافع الطباع تكفى لتوجيه الإنسان فيها إلى المسار الصحيح… والشرع يكتفى في عدد من المسائل بثبات دوافع الطباع، فلا يأتي فيها الشرع بتشريع أو أمر معين، مطمئنا إلى أن الطبع السليم كفيل بتوجيه الإنسان، ومن هذه الأمور التي ينتجها الطبع السليم حب الوطن والانتماء إليه والوفاء له.”[1]. هذا الطرح النفسي يجد ما يدعمه في ما طرحه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي صاحب موسوعة “إحياء علوم الدين”، حين قال في كتاب “الوسيط في المذهب” ما نصه: “ولكن في بواعث الطباع مندوحة عن الإيجاب؛ لأن قوام الدنيا بهذه الأسباب، وقوام الدين موقوف على قوام أمر الدنيا ونظامها لا محالة”[2]. ونجد أحمد بن مروان الدينوري في كتابه “المجالسة وجواهر العلم”، يربط بين شعور المرء بالانتماء إلى الوطن، وصلاح سجيته، فيقول: قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: “إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما قضى من زمانه”[3].

وفي نفس سياقات التحليل، وردا على تفسير الآية الكريمة التي وردت في سورة التوبة، والتي تم تأويلها على أنها دعوة إلى إنكار “العقيدة الوطنية” وضرورة الهجرة نحو “دار الخلافة”، فقد انزوى إلى تفسير هذه الآية مجموعة من العلماء والذين فسروا عبارة “ومساكن ترضونها” وباقي الآية على أنها تدخل في إطار “الحرب الدفاعية” التي يُقرها الإسلام، وذلك عندما تتهدد الوحدة الترابية للوطن بهجوم خارجي من أعداء الوطن والدين. هذا المعنى يتناقض مع ما يتم ترويجه من طرف أتباع التنظيمات المتطرفة على أن حب الوطن يتعارض مع عقيدة الجهاد الذي هو فرض كفاية على المسلمين، إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر.

لقد تعددت أقوال علماء الأمة في مدح الأوطان حتى قبل أن تختمر مفاهيم “الدولة الأمة” في الغرب، ورفعته إلى مراتب الولاء والقدسية، وربطت بين حب الأوطان وسوية الأنفس والسريرة. وهنا نجد الدينوري يؤكد على هذا المعطى حين يقول: “حدثنا محمد بن يونس القرشي، قال: عن الأصمعي قال: الجنة في ثلاثة أصناف من الحيوان، في الإبل تحن إلى أعطانها، ولو كان عهدها بها بعيدا”، والطير إلى وكره، وإن كان موضعه مجدباً، والإنسان إلى وطنه، وإن كان غيره أكثر له نفعاً”[4]

في نفس السياق، نجد ابن الرومي يقول في إحدى قصائده:

   وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ **************مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا

       إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرتهم**************عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا[5]

…يتبع

[1] – المرجع السابق

[2] – أبو حامد الغزالي: “الوسيط في المذهب”. الجزء الرابع، ص 170

[3] – أحمد بن مروان الدينوري: “المجالسة وجواهر العلم”. الجزء الأول، ص 174

[4] – المرجع السابق. الرواية عدد 333.

[5] – ابن الرومي: قصيدة ” أعوذ بحقْوِيْك العزيزيْن أن أُرى”. يمكن العودة إليها كاملة على الرابط. http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=61774

*خبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.