ثوابت الأمة : نموذج التدين المغربي (4)

رئيس التحرير18 يونيو 2022آخر تحديث : منذ 5 أشهر
رئيس التحرير
وجهة نظر
أحد الروائع المعمارية المغربية

تمغربيت:

الحسن شلال 

التدين المغربي والفرادة المغربية

تشكلت بالمغرب، الممثل للغرب الإسلامي منذ نشاة الدولة الأمة المغربية، وحدة تدين معيارية توافق عليها المغاربة. بدءا بأولي الأمر منهم من العلماء وانتهاء بأولي الأمر منهم من السلاطين، والمجتمع والأمة.
إن نموذج التدين المغربي تشكل نتيجة الفهم الخاص للدين الذي امتزج مع السياق المغربي وفق الخصوصية المغربية ( تاريخا وجغرافيا وثقافة)…في تفاعل شامل ومتكامل مع المحددات العرفية والعرقية والديانية السابقة المتواجدة وكذا الثقافية والتاريخية والجغرافية الخ.
تدين مغربي انبني على اختيارات معينة في مجالات وأركان الدين الثلاثة كلها : المجال العقدي (الإيمان) والمجال الفقهي التشريعي (الإسلام) والمجال السلوكي الروحي (الإحسان).
لقد كانت هذه الاختيارات بمثابة مرتكزات وأسس اطرت وسيجت وحددت منهج فهم الدين قصد تنزيله واقعا. فتجلى وتمظهر في الممارسة الدينية العملية للمغاربة على مدار قرون. تراكمت تجاربه وترسخت فهومه فعقد عليه المغاربة إجماعهم.
اذا نحن أمام ظاهرة تاريخية صاحبت المغاربة عبر قرون من تراكمات الممارسة الدينية المؤسسة على اختيارات ومرتكزات عقدية وتشريعية وسلوكية…مرتبطة بالجغرافيا المغربية والتاريخ المغربي والثقافة المغربية…ارتباطا عضويا بالخصوصية والفرادة المغربية، ماضيا وحاضرا..

فعلماء وفقهاء المغرب وهم يترجمون ويتنزلون روح الدين وتعاليمه واقعا في حياة الدولة وحياة المجتمع الأمة. جعلوا دائما نصب تفكيرهم وتصورهم وانشغالهم مقاصد الشريعة وفقه المآلات، في اختياراتهم لركائز وثوابت التدين.

لقد جعلوا من الدين – وفق جوهر الدين ورسالته – روحا لتحرير الإنسان لا تقييده، و مبدأ لوحدة المجتمع بمختلف اعراقه ودياناته وقبائله لا معول هدم وتفرقة، ونمط حياة اجتماعي وسطي معتدل يقبل الحوار والاختلاف والتنوع وسط الوحدة والوطن الواحد والسلطة الواحدة الموحدة المدبرة لشؤون الدنيا والدين معا ممثلة في امارة المؤمنين. وفقه لأحكام وتشريعات وقوانين في خدمة الدولة القوية والمجتمع الأمة معا.

تدين مغربي متميز ومنفرد كنموذج ونمط مختلف عن غيره من انماط التدين بالشرق الأوسط والأدنى وآسيا و اوربا الخ اختلاف قديم/جديد اثير النقاش دوما حوله منذ قرون.

فإن تميزت شعوب وجغرافيات بكونها وعاءا سلبيا غير منتج ولا مبدع ولا مقاوم، حكمها كل من وصل إليها ودب فوق أرضها. فالمغرب الممثل للغرب الإسلامي، لم يكن ابدا منذ نشاته كدولة أمة سياقا جغرافيا فقط يرتبط بمساحة من الأرض بل شكل وابدع دوما سياقا تاريخيا وثقافيا وحضاريا خاصا به متميزا عن غيره متفردا بخصوصياته مشكلا فرادة مغربية تراكمت تجاربه زمن الحقبة الإسلامية فقط لاكثر من 12 قرنا.

من أجل ما تقدم، نجد المغرب أول ثائر ضد الأمويين ولم يخضع للعباسيين ولا لغيرهم ولا للاتراك العثمانيين ..مشكلا خلافة مغربية خالصة سواء تحت سلطة الشرفاء او الأمازيغ وشكلت زرهون او فاس او مراكش او مكناس او الرباط عواصم إمبراطورياته..

لهذا لا عجب ان يلحظ المهتم المتابع – حاضرا ايضا – عدم تاثر خصوصية وفرادة التدين المغربي والمجتمع المغربي، كثيرا بأمواج العولمة الجارفة التي هيمنت على العالم والإنسانية فكرا وحضارة وتدينا وفلسفة وتصورا الخ فصبغته او حاولت صبغه بصيغة وصبغة موحدة لتنشىء لنا نمط ونموذج الإنسان الموحد المتكرر المتشابه وكذا الانسانية والمجتمعات المنمطة المتكررة هي ايضا، بعيدا عن خصوصياتها وتواريخها وجغرافياتها وهوياتها وثقافاتها المحلية .. مقابل التنوع والتمذهب والخصوصيات الثقافية والعرفية والمجتمعية بتشكلاتها وتنوعاتها واختلافاتها .. والتي حددت واطرت لنا الانسان كخليفة في الارض مشكلا امما غنية ومتنوعة ومختلفة، قوتها هي هي في هذا التنوع والاختلاف والخصوصيات .. خلاف امم أمثالنا من نمل ونحل و قردة الخ متكررة متشابهة تقوم بنفس الوظائف منذ بدء الخليقة !!

يتيع

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.