ثوابت الأمة: نموذج التدين المغربي(3)

الحسن شلال7 يونيو 2022آخر تحديث : منذ 6 أشهر
الحسن شلال
وجهة نظر
في عقد الأشعري و فقه مالك و في طريقة الجنيد السالك ( 3 )

تمغربيت:

الحسن شلال 

التدين المغربي في السياق المغربي

بعد تمييزنا سابقا بين الدين كمعطى إلهي رباني مطلق متعال على الزمان والمكان .. والتدين كمعطى بشري نسبي يحاول مقاربة النصوص والوحي مقاربة إنسانية نسبية تحتمل الخطأ والصواب ويطالها النقد والمراجعة..
وبعدما شرحنا ان انماط التدين متعددة بتعدد السياقات( التاريخ والجغرافيا والثقافة) رغم ان الدين واحد. وأن ممارسات مختلفة ومتعددة تندرج تحت عنوان الاسلام رغم ان الإسلام واحد.

* التدين المغربي : بأي معنى؟

وصلنا الى الحديث عن التدين المغربي بالغرب الإسلامي.. قاصدين بهكذا مصطلح ؛ -الانتقال من المفهوم المعياري للدين او ممارسة الدين في سياق نظري غير معلوم الى نمط وأسلوب تدين معلوم او ممارسة إنسانية محددة ومرتبطة ومؤطرة بسياقات خاصة ومعلومة (السياق المغربي).. – قاصدين به احتكاك وتنزيل وتطبيق وممارسة الدين في الواقع والمجتمع في سياق إنساني محدد بتاريخ وجغرافيا وثقافة (مغربية) .. – قاصدين به انزال تعاليم الدين تصورا وتشريعا وسلوكا، مناسبا ومتكيفا ومتطابقا مع حاجات وضرورات وخصوصيات واعراق وتقاليد ومتغيرات لأفراد وجماعات ومجتمع (مغربي) .. – قاصدين به تنزيل النصوص على هذا الواقع والمجتمع والسياق (المغربي) .. بأدوات وآليات معرفية وعلمية وموضوعية في تناولها للنصوص الدينية كتابا وسنة صحيحة، انبرى لها أئمة وعلماء تدخلوا في النص شارحين مفسرين مأولين عن علم ودراية وملكة علمية قل نظيرها، امتثالا للأمر الإلهي المحكم الواضح: “فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ” والسني” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين “.. للدالالة واستنباط تشريعات وضوابط وقوانين وأحكام قصد تصحيح الفهوم والمعاملات والعبادات فيجعلها على الوجه الصحيح او الأقرب إلى الصحة..في اتساقها وتناسقها مع الواقع ومتغيرات الواقع ومتطلبات وحاجيات المجتمع (المغربي).
– وأيضا ..
– قاصدين بالتدين المغربي ايضا مقابلة انماط التدين الغريبة على المجتمع المغربي التي اكتسحت الغرب الاسلامي منذ اواخر سبعينيات القرن الماضي – باسم السلف وفهم السلف او الكتاب والسنة او السلفية المعاصرة – والتي تقدم نفسها على انها تمثل الدين ذاته والاسلام نفسه!! فمن حاد عنها وعن فرقها حاد عن الاسلام وخرج من الملة!! انماط ماشاء الله؛ يكفي ان تفتح خريطة المشرق العربي لتصعقك – بسببها واسباب خارحية اخرى – حالة الحروب الأهلية بها فكريا وحزبيا وايديولوجيا وعسكريا .. وتطرفا وارهابا وتشددا وتكفيرا ..
– ثم قاصدين به ايضا مقابلة اختزال العمل الإسلامي في جانب الحراك والتدافع السياسي فقط، لاستعادة الخلافة الإسلامية باعتبارها ججرة الزاوية وأساس العمل لنصرة الدين والتي سقطت سنة 1922بسقوط أخر سلطان عثماني على يد مصطفى أتاتورك … وهو لعمري أمر خارج سياقنا المغربي بالمرة .. لم يعنينا يوما في المغرب والغرب الإسلامي أبدا منذ أكثر من 12 قرنا ، بحيث ان خلافة وإمارة المؤمنين بالغرب الاسلامي كانت مستقلة ومقابلة للخلافات المتعددة والمتصارعة بالمشرق .. وإمارة المؤمنين بالمغرب كانت سابقة للخلافة العثمانية بالقسطنطينية بخمسة قرون ونيف !!! فإمارة المؤمنين لم تسقط يوما عندنا مثلما سقطت بالقسطنطينية كي نلجأ ونضطر لمجاراة العمل الحركي المشرقي كما هو وكما نشأ في المشرق. فالغرب الإسلامي / الإمبراطورية المغربية لم تكن يوما تابعة للحكم العثماني بل كانت سابقة له بنيف وخمسة قرون !!!. بل وصل التباين بين الإمبراطوريتين، درجة شنهم علينا حربا لضمنا الى حكمهم ضمن ايالاتهم العربية قاطبة باستثناء المغرب ؛ حربا بعنوان حرب اللبن. حربا لقناهم فيها هزيمة نكراء ودرسا لم ولن ينسوه ابدا بحيث تمت زمن اعظم سلطان عثماني في تاريخهم ..رجع انكشاريوه مهزومين مذلولين فارين من هول وشراسة سلاطين وعلماء وجيوش المغاربة..
– فالسياقات المغربية متبابتة و مختلفة في الكثير عن السياق المشرقي والسياق العثماني، تاريخيا وجغرافيا وثقافيا وحضاريا .. وهذا لا ينفي كما لا ينقص من القواسم المشتركة الكثيرة، التي نتقاطعها ونتقاسمها معهم، باعتبارنا جميعا مسلمين فيما بيننا افرادا ومجتمعات وانظمة .. لكن السياقات المغربية بالغرب الاسلامي تهيمن وتؤطر وتوجه التدين بشكل اصح وافضل عند مراعاتها في عملية تنزيل الدين على واقع المجتمع المغربي( بمحدداتها العرفية والعرقية والدينية السابقة الخ ) .. فقد سبق ان قلنا بالبرهان ان التدين مرتبط ومتلازم ومطرد مع السياق(تاريخ وجغرافيا وثقافة وحضارة) ..
– فكم مر على الإمبراطورية المغربية قديما من موجات عقدية وفكرية شبيهة بهذه الانماط المشرقية المعاصرة للتدين، ولم تفلح كما لم تستمر كثيرا .. فقاومها نمط التدين المغربي العلمي الأشعري المالكي السلوكي تحت إمارة سلاطين المغرب … فاما الطغيان الأموي، وإن بقي في كل الاقطار العربية راضية به رغم طغيان ملكه، فقد لاقى أول الثورات ضده في المغرب على أيدي علماء وقبائل المغرب ابتداء من طنجة .. واما التشيع، فكان متواجدا بالمغرب لكنه لم يلبث ان ازيح تماما من هذه الجغرافيا او السياق الجغرافي المغربي بحيث ان الأدارسة وهم اول سلاطين المغرب كانوا، اصلا وتحديدا وخصيصا من آل بيت رسول الله باعتبارهم احفاد رسول الله صلى الله عليه و سلم اولا وسلاطين وأمراء للمؤمنين ثانيا ومن اولياء الله الصالحين ثالثا .. فأنى وأنى ثم انى لمتشيع سياسي أن يعلم آل بيت الحبيب معنى التدين المنتسب لأهل البيت ومعنى التشيع ؟! كما مر بالمغرب خوارج ايضا .. لكنهم لم يعمروا كثيرا ..والخوارج فرق شتى وصلت الى العشرين فرقة .. و لم يتبق منها ولا فرقة واحدة. ازاحها المغاربة كلها بفضل علماء وقبائل المغرب فابعدوها ورموها شرق المغرب، فهي متواجدة الى يومنا بجنوب الجزائر وبعضها بتونس …
– لقد انبرى اذا علماء وأولياء المغرب المالكية الأشاعرة ضد كل هذه الأنماط من اشكال التدين المشرقي المنحرفة المكفرة المستبدة، فهزموهم قديما..بالعلم والمناظرة والبرهان والحجاج اولا قبل ازاحتهم من السياق والمسرح الجغرافي المغربي ماديا .. وهو ما نلاحظ بوادره اليوم ايضا، وهو ما سينتهي بهم الأمر اليوم بإذن الله ..فان كان الزخم حالفهم بعد أواخر السبعينيات ..فسرعان ما تفطن المغاربة لحال وافكار هاته الفرق رغم مساندة البيترودولار لاعلامهم ، اعلام ما يطلق عليه انحرافا بالسلفية المعاصرة … لقد اصبح واضحا ان النموذج المشرقي مهتز فكريا وعقديا وأنه جالب للتفرقة والدمار على المستوى المجتمعي والواقعي والسياسي ..فما يكاد المرء ان يبسط الخريطة العربية حتى يرى من خلالها ما جرى ويجري في العراق وسوريا واليمن ولبنان ومصر وليبيا والسودان وأفغانستان .. والساحل ايضا .. ارهاب باسم الدين لكنه ارهاب بلا شك وتطرف وتكفير .. وتشويه لسماحة هذا الدين العظيم … خوارج ومعتزلة وباطنية جدد يحتكمون الى نفس أصولهم القديمة ويتصفون بنفس جهلهم وحماستهم ايضا.

يتبع ..

سلسلة المواضيع السابقة :
1- نموذج التدين المغربي (1)
2- نموذج التدين المغربي (2)

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.