سبق المالكية في التشريع البحري بالغرب الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري

رئيس التحرير8 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
رئيس التحرير
تمغربيتوجهة نظر
سبق المالكية في التشريع البحري بالغرب الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري

تمغربيت:

الحسن شلال*

مؤلف( أكرية السفن ) لأبي القاسم خلف بن أبي فراس القروي الأفريقي، تحقيق الدكتور عبد السلام الجعماطي، وذكره القاضي عياض صاحب ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه و سلم )، وهو رواية واستدراك لكتاب شيخه بنفس العنوان مع زيادات حسب ما استجد من نوازل وهو أبو عبد الله محمد بن عمر بن عامر الكناني أو الكندي الأندلسي أول مؤلف لكتاب في الفقه البحري المالكي في الغرب الاسلامي وذلك في القرن الثالث الهجري .

هذا المؤلًّف يعتبر عمدة لمن جاء بعده من فقهاء المالكية في الغرب الإسلامي الذين اقتحموا مجال التشريع البحري باكرا. فمنذ تأسيس وتقعيد المالكية، والفقيه في جدل وتكيف مع الواقع يلبي حاجته التشريعية في الأحكام والنوازل المتجددة أو الطارئة في جميع مناحي الحياة سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية الخ .. فكان هذا الإنتاج العلمي الفقهي في مجال الملاحة البحرية منذ القرن الثالث الهجري.

 لقد كان الكناني الأندلسي أول الفقهاء المالكية الذين قعدوا وأسسوا لهذه الأحكام والقوانين وألف فيها وسيجد القارئ لهذا المؤلف أحكام الملاحة البحرية ومنها:

  • ضوابط وقوانين خاصة بفترات الملاحة المسموح بها وأخرى تمنع فيها حسب حالة البحار
  • كل ما يخص الضمان وهو ما يصطلح عليه اليوم بالتأمينات les assurances على السفن المكترات وعلى البضائع والحمولات في حالة غرقها جزئيا أو كليا…سواء الغرق أو العطب الخفيف في حالة رمي البحر بالساحل لجزء من البضاعة فيتم إنقاذها ..أو الغرق المغروق الذي تغرق فيه السفينة و حمولتها كلية ولا مجال لإنقاذ ولو جزء من البضائع المحمولة عليها .. وكذا ضمان الأمتعة حسب طبيعتها فيتم ضمانها إن كانت مواد وبضائع أساسية كالأقوات اليومية الأساسية في ذاك الزمن…واختلاف في الفتاوى حول ضمان أو عدم ضمان على المواد الأخرى من الكماليات luxe سواء من الأثاث أو الأقوات وغيرها والتي تدخل في باب التفكه حسب مصطلح الفقهاء.

 
إن الفقه المالكي انتبه إلى آلية التأمين والضمان على حمولات السفن فشرّع لها أحكاما وقوانين، إلى ان تطورت المسائل واستجدت النوازل، فشرع المالكية لتأمين وضمان السفن ايضا حسب طبيعتها وأشكالها ومواصفاتها، فكانت العقود المبرمة دقيقة بين الربان والتجار وأرباب المال والمسافرين وأرباب السفن الخ. بل اهتم المالكية، أيضا، بالعقود بين صناع السفن وأربابها بعقود تشبه إلى حد ما، ما هو عليه الحال اليوم معروف بالصفقة أو سند طلب أو كناش التحملاتmarchée – bon de commande – CP) ) المذكور فيه كل البنود المتفق عليها والخاصة بنوع السفينة وموادها ونوعية خشبها وحجمها وشكلها وصنفها الخ ..وأيضا ما يتعلق بالجمارك وضريبة ورسوم الإرساء في المستعتب بالمرسى.

وقد تمت ترجمة هذا المؤلف من طرف مستشرقين في السنوات الماضية من اسبانيا والولايات المتحدة وفرنسا وهولندا لأهميته خلال السنوات الاخيرة. فالأمر لا يتعلق بترف فكري، خصوصا إذا علمنا، كما اشار منذ سنين المستشار طارق البشري، بأن اكثر من نصف القوانين الوضعية الأوربية في عصر النهضة وما بعدها استمدت أسسها وموادها من القوانين والتشريعات التي نص عليها الفقه الإسلامي بعمومه والفقهاء المسلمين.

فالغرب نهل من جميع الحضارات الأخرى خصوصا في مجال التشريع والقوانين حيث تلاقحت حضارته بحضارة المسلمين وغيرها، قبل أن نسكن نحن ويتطوروا هم وقبل أن يعلم هؤلاء أن قيمة الأمم هي في قوة العلم والساعد والسلاح وتجنب مكامن الاختلاف والترفع على الخلاف، وبقينا نحن نتناحر حول التفريعات والجزئيات ونسينا الأصل وتناسينا أن الإسلام فيه من السعة ما لا يحتمله شواذ الفكر وضعاف الفهم.

*متخصص في التاريخ والمذاهب العقدية والفقهية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.