شيخ المؤرخين الجزائريين يرد على “الشروق” العسكرية: الجزائر اسم لمدينة…فقط

رئيس التحرير9 يناير 2022آخر تحديث : منذ 11 شهر
رئيس التحرير
الأخبار الرئيسيةقضية الصحراء المغربية
شيخ المؤرخين الجزائريين يرد على “الشروق” العسكرية: الجزائر اسم لمدينة…فقط

تمغربيت:

د. عبد الحق الصنايبي

يقول كلاوزفيتز في كتابه المرجعي “عن الحرب” ما نصه “هناك نوعان مختلفان من الدوافع تجعل الرجال يقاتل بعضهم بعضا: المشاعر العدائية والنوايا العدوانية” (ص 105)، ويضيف في موقع آخر من نفس الكتاب “لابد أن تكون العواطف التي ستثيرها الحرب متأصلة في الشعب” (ص 124). هذا التعريف يعتبر مدخلا لفهم البنية السلوكية للطبقة العسكرية التي ابتلى بها الله الشعب الجزائري والذي يئن، منذ تأسيس الجزائر سنة 1962م، تحت حكم شمولي مطلق يتبنى نظرية بيسمارك في إخضاع الشعوب بلغة الحديد والنار.

إن استمرار الطغمة العسكرية الفاسدة في إخضاع الشعب وتكريس سياسة السلب والنهب لا يمكن أن يستمر إلا ب “اختراع عدو وهمي” لا وجود له إلا في حسابات جنرالات قصر المرادية والذين تمرسوا على سياسة تصدير الأزمة منذ عقود، وتعليق فشلهم تارة على الإرث الاستعماري وتارة على التهديد الإسلاموي وتارة أخرى على “العدو المغربي”.

لقد راهن النظام العسكري على خلق كيان وهمي في منطقة الصحراء المغربية يكون قنطرة لتحقيق أحلام أجدادهم القراصنة من أمثال حسن فنزيانو وعلج علي والمتجسدة في الحصول على منفذ على المحيط الأطلسي وهي الأطماع التي تؤكدها جميع الكتابات وتلخصها د. زهراء النظام في أطروحتها حول علاقات المغرب مع الجزائر العثمانية خلال القرن 16م حيث تقول “كان الأتراك العثمانيون يراهنون على الوصول إلى السودان الغربي لإيجاد منفذ لهم على المحيط الأطلسي”.

ولعل ما طرحته د. زهراء النظام يتقاطع مع ما قاله الملك الحسن الثاني (رحمه الله) حين كشف عن عرض البوليساريو له (بإيعاز من الجزائر) برفع يدها عن مشكل الصحراء المغربية مقابل إطلاق يدها في موريتانيا، لأن إخضاع هذا البلد كان سيحقق نفس الهدف ألا وهو الوصول إلى مياه الأطلسي الدافئة.

إن كيد وتدبير نظام الجنرالات في الجزائر لن يقف عند هذا الحد بل سيتجاوزه إلى محاولة تزوير التاريخ والكذب على الجغرافيا، وتزييف الحقائق ودفن الوثائق، فكان آخر ما تفتقت عليه أبواق النظام الجزائري هو الزعم بعدم وجود علاقات ولاء وبيعة بين سكان الصحراء وملوك المغرب، وهو ما نرى أنه من الحماقات الصحفية التي لا تستحق لا أخلاقيا ولا مهنيا الإجابة عنها.

وهنا لابد من التنبيه إلى أن من يتطاول على تاريخ الغير وحضارة المبتدأ والخبر، بالتعبير الخلدوني، يُفترض أن تكون له أرضية يتكئ عليها وتاريخ يرجع إليه ويكون هو المُنطلق لتواريخ وعبر باقي الشعوب والأمم. غير أن الراسخ الثابت أن “الجزائر” بهذه الحدود لم يكن لها تواجد يذكر ولا تاريخ مسطر وإنما كانت مسمى لمدينة على البحر الأبيض المتوسط كانت تحكمها بعض الأسر وكان آخر حكامها سالم التومي الذي اغتاله القرصان التركي عروج بارباروس خنقا في أحد أيام الجمعة بينما المسكين يتوضأ مستعدا للذهاب لصلاة الجمعة.

إن هذا الكلام لا نقوله نحن وغيرنا ممن أطلوا على وثائق الجارة الشرقية وإنما هي شهادة من مروا من هناك وحكموا وتحكموا في رقاب الخلق داخل مدينة الجزائر وخارجها. ونكتفي بسرد ثلاثة شهادات نعتبرها كافية لإلجام أقلام الشروق وغيرهم ممن ارتقوا مرتقا صعبا ودخلوا معتركا يسيل له إبط الكاشح، فلا هم اعترفوا بتاريخهم ولا هم رحموا تاريخ الغير فضلوا وأضلوا وحولوا أنفسهم إلى أضحوكة تتقاذفها الأقلام وإلى مسخ فضحته السنون والأيام.

فها هو شيخ المؤرخين الجزائريين امبارك الملي يردد في كتابه “تاريخ الجزائر في القديم والحديث” شهادة المؤرخين في حق هذه المنطقة فيقول “بل هناك من المؤرخين الجغرافيين الفرنسيين من لم يتردد في إنكار أن يكون لهذه المنطقة تاريخ…فهذا غوتيي يقول “هذه بلاد ليس لها اسم معروف عالميا مما اضطر إلى إعطائها اسما ما: ذلك أنه ليس لها وجود سياسي متميز، وبناء على ذلك لم يكتب تاريخها“. (الجزء 1، ص 29/30).

أما عن أصل التسمية فيقول الملي نصا “الجزائر اسم “لمدينة” عظيمة على البحر الرومي، تعرف قبل مجيء العرب باسم اقسيوم (ICOSIUM)” (ص 45)، ثم يفجر امبارك الملي القنبلة في وجه “الشروق وأخواتها” وكأنه أطل على المستقبل وعلم بأن التزوير سيطال تاريخ المنطقة من طرف أقلام المرتزقة فيقول “ولم تكن تطلق على وطن مترامي الأطراف إلا منذ العصر العثماني حيث اتخذ العثمانيون هذه المدينة عاصمة لمملكة ذات حدود مقررة فاشتق اسم الوطن من اسم عاصمة دولته الجزائر”.

أما خير الدين بارباروس، أخ عروج، واللذان كانا أول من دخلا الجزائر، فقد جاء في مذكراته كلام يؤكد أن الجزائر لم تكن يوما ما كيانا سياسيا فيقول “قبل قدومنا كانت عادة الأهالي عندما يرون الكفار يتفرقون كأسراب الطير في السماء. فمنذ أكثر من مائة سنة لم يكن في الجزائر دولة ولا حكومة. لقد كان الكفار يعرفون هذا ولأجل ذلك استولوا على أحسن الموانئ الجزائرية”. (ص 113)

أما المؤرخ الإسباني دي دييغو دي هايدو والذي كان شاهدا على الأحداث التي أعقبت دخول القراصنة الأتراك إلى مدينة الجزائر، فقد ألف كتاب تحت عنوان “تاريخ ملوك الجزائر” وهو العنوان الذي يبدو جذاب وذو مهابة، غير أن لا شيء من هذا يبقى ويدوم إذا ما رجعنا إلى أصل العنوان بالفرنسية أو الإسبانية “L’histoire des Rois d’Alger”، وهنا فالترجمة الصحيحة هي “تاريخ ملوك مدينة الجزائر“. ولعل الجميع يعلم أن مصطلح الجزائر (L’Algérie) لم يطلق على هذا الكيان السياسي إلا سنة 1848م، أما المناطق الجنوبية فلم يتم احتلالها وضمها للإقليم إلا سنة 1905م.

كانت هذه بعض الشذرات المهداة إلى أصحاب الأقلام الرقيقة والمعارف الغير الدقيقة ليتدبروا في التاريخ وفي بلدهم الجريح وليعلموا بأن المقارنة بين تاريخ الجزائر والمغرب هو بمثابة المقارنة بين الثرى والثريا…فضعف الطالب والمطلوب.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليق واحد

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي تمغربيت
  • عزيز10 يناير 2022 - 9:59

    ماشاء الله دكتور ،بالرغم من أننا نعرف أن الجزائر تفتقر إلى تاريخ و هوية إلا أن تحليلاتك الشيقة تزيد من فضح جيران السوء