صناعة المستقبل :المغرب…و الفن الثامن ! ج2

عبد الإله المغربي1 مايو 2022آخر تحديث : منذ 7 أشهر
عبد الإله المغربي
دوليةسياسةوجهة نظر
البناء الإستراتيجي للمستقبل عبر الحروب
البناء الإستراتيجي للمستقبل عبر الحروب

تمغربيت

اختلطت الأمور…

منذ هجوم روسيا العسكري، تعددت القراءات و المقاربات ثم التخمينات والتوقعات من طرف أهل الإختصاص و غيرهم. فاختلطلت الأمور، على القارئ، في زمن يصعب فيه -حتى على المختص-التمييز بين الحقيقة و الخيال و بين الهدف و الطريق إليه!.

و ما يزيد الأمر صعوبة، هو الإسقاطات، الشخصية و الإنتمائية لكل محلِّل، على أحداث ظرفيّة محدودة الزمان والمكان. يحصل هذا، في حين أن هاته الأحداث -رغم بشاعتها- قد تخفي مراوغةً مخطَّطٌ لها بهدف تسهيل وقوع أحداث أخرى تشكِّل محطات أساسية و مفصليّة لبلوغ هدف ما…و بتعبير آخر، قد تكون هاته الأحداث منتوجا لصناعة مستقبل بدأت في الماضي!

لذا وجب أخذ الحيطة و الحذر من فنون الدعاية الحربية التي تسبق كل الحروب ثم تستمر أثناءها و بعدها.

الفن الثامن!!

فعلى الأراضي الأوكرانية نشهد صراعا ليس بجديد! هو صراع بين أطراف “تلعب” مع بعضها أدوارا و كأنها في مسرحية من نوع آخر! مسرحية تتميز عن أب الفنون بخمس نقاط:

  1. تعدد الأدوار : للممثل فيها أدوار عدة!
  2. إرتجالية : كل ممثل قد يخرج عن النص في أية لحظة!
  3. المشاهدون، لهم أيضا أدوار في المسرحية لكن أغلبهم لا يعلم!
  4. ساحة مكان الخشبة : فعوض خشبة المسرح، الكل يلعب في “ساحة” متنقلة!
  5. مخرج المسرحية فيلعب بعض الأدوار ثم يبتعد عن ساحة المسرحية في حين أن كل البطولات تصبُّ في منحاه.

ففي هاته المسرحية الأوراسية، يمكن إعطاء دور الإخراج لأمريكا بمساعدة بريطانيا. أما الممثلون ذوو الأدوار الأساسية فهم الدول الأقوى ذات الطموحات الكبيرة. أما المشاهدون فهم شعوب الدول التي تشكل دولها خشبة المسرح! وتبقى زوايا الخشبة متنقلة بين أوروبا، الشرق الأوسط، إفريقيا و البحار التي تربطهم.

التاريخ دروس و عبر…

لا شك أن التاريخ يشهد على أن الحضارات لا تدوم في أوج قوتها و أنها تعرف سقوطا مهما علت ذروتها!

فأمريكا التي تعتبر نفسها “حضارة العصر” تدرك ذلك و تسعى لتأخير سقوطها بذكاء و أحيانا بالقوة. لهذا فكلما شكل طموح دولةٍ أو حلفٍ ما تهديدا للحضارة الأمريكية إلا و “فصلٌ من المسرحية” لُعب لإخماد حريق التهديد.

إن روسيا قد لعبت منذ سنين الدور الأساسي في أحد فصول المسرحية لإضعاف الإتحاد الأوروبي. فدعمت “روسيا اليسارية” اليمين المتطرف في عدة دول أوروبية و نجحت في إخضاع أوروبا الغربية التي صار أمنها الإجتماعي و إقتصادها مرتبطان إلى حد ما بغاز و معادن روسيا.

وهذا طبعا يخدم مصلحة المخرج لأنه سيبيع غازه لأوروبا التي أُضْعِف تهديدُها!

أما ما نعيشه في أوكرانيا من أحداث قد يكون مفصليا و تمهيدا لفصول أخرى من المسرحية!

باختصار…

فدون الخوض في التفاصيل، إن أوكرانيا دخلت -مدفوعة- خلال السنوات الماضية في استفزازات لروسيا التي تَقَوَّت شيئا ما. فاستُدرِج بوتين لهذا الدخول العسكري الذي لن يكون كدخوله للقرم! فعواقبه ستكون وخيمة و بتبعيات عالمية كبيرة.

صحيح أن أوكرانيا قد تُركت لحالها في الوهلة الأولى و هذا يخدم مصالح الأحداث القادمة. فالإعلام صوَّر روسيا للعالم و كأنها قوة قاهرة و متجبرة تغزو بلدا مجاورا،فيُتجنَّب الحديث عمَّا مهَّد لذلك و كيف تم إضعاف أوكرانيا و كيف قُلِّصَت إمكانية تحرك دول أوروبا بتقييد مصالحها مع روسيا.

فنون “الدعاية الحربية”؟

على أي، في هاته المرحلة المفصلية الضحية الأولى هي أوكرانيا ثم بعض أراضيها و طبعا كل المصابين في الحرب. و رغم بشاعة المشهد و الثمن الباهض، فإن هذا في حد ذاته نوع من أنواع الدعاية الحربية التي تمهد الشعوب (مشاهدي المسرحية الذين يلعبون دورا فيها) إلى حروب قادمة. فهذه الحروب تعطي الشرعية الدولية لإيقاف جبروت روسيا، و بالتالي -مرّة أخرى- يتمّ الحد من التهديد الروسي لمصالح المخرج!

كيف سيكون المستقبل؟؟

من جهة أخرى، عدة تحركات لأقوى الدول الأوروبية تجعلنا نعتقد أنها ستلعب الدور الأساسي للفصل القادم. هاته الدول أُجبِرت و فهمت مدى ضعف الاتحاد الأوروبي و ستسعى لتقوية حلف داخل الإتحاد نفسه. فبعض المؤشرات توحي بأن فرنسا، ألمانيا، بولونيا و أوكرانيا سيشكلون محور قوة جديد للعب الدور الأساسي في هذا الفصل الجديد و تقسيم روسيا إلى عدة دول. دولة تخدم مصالح المحور الأوروبي الذي ذكرت، دولة أقرب من الصين و دولة سيبيرية بينهما!

و في هذا الباب يمكن الرجوع إلى ما قاله زبغنيو بريجينسكي المفكر الإستراتيجي ومستشار الأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بين عامي1977 و 1981. ففي سنة 1997 أصدر كتابا مهما يحمل إسم”رقعة الشطرنج الكبرى” و تطرق في طياته للعديد من السيناريوهات منها التي تحققت قبل يومنا هذا و منها ما لم يحدث بعد!

كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى” ص 193:

…وفي الواقع، فإن روسيا الكبرى يجب أن تواجه بأمانة وصلابة. وتستنتج التأثيرات الصحيحة من الحقيقة المتمثلة بأن كلا دولتي أوروبا والصين أصبحتا فعلاً أقوى اقتصادياً منها، وأن الصين تهدد أيضاً بسبق روسيا … وفي هذه الظروف، يجب أن يصبح الأمر أكثر وضوحاً للنخبة الـسياسية الروسية بـأن الأفضلية الأولى لروسيا هي تحديث نفسها عوضاً عن الانخراط في جهد عقيم يهدف إلى استعادة موقعها السابق كقوة… أما روسيا ذات النظام الكونفدرالي غير المتماسك والمؤلف من روسيا الأوروبية وجمهورية سيبيريا، وجمهورية الشرق الأقصى فسوف تجد من الأسهل عليها أن ترعى علاقات اقتصادية أوثق بأوروبا، ومع الدول الجديدة في آسيا الوسطى، ومع الشرق، الأمر الذي يسرع تطورها (أي تطور روسيا ذاتها)

هكذا للمسرحية فصول و بعضها قد يحدث بشكل متواز! ففي نفس الوقت تحركات الصين نحو طايوان قد تشكل فصلا آخر لنفس المسرحية. كما هو الحال لطموحات المد الفارسي (إيران) و الحنين العثماني (تركيا)…

قد تكون هذه المسرحية مجرد منتوج لصناعة مستقبل بدأت في الماضي عندما خُطِّط لهذا الحاضر! لكن، وكما سبق الذكر فشخصيات هاته المسرحية تتميز بقدرة كبيرة على الإرتجالية و خلق المفاجأة! فالأسلحة النووية الفتاكة بأيادي كم جونغ يون و بوتين قد تخلق المفاجأة التي ربما لن يكون لنا الوقت لتحليلها.

خاصة و أن التصعيد نحو استعمال الأسلحة النووية في تنامٍ مستمر.

المغرب…

فماذا عن المغرب و مستقبله في ظلِّ التحولات العالمية الرّاهنة ؟ هل ستنتج هذه التحولات نظاما عالميا جديدا للمغرب فيه مكان مركزي؟ و هل له دور قد يلعبه في تثبيث موازين القوى ضمن النظام العالمي الجديد؟ ما التهديدات و التحديات التي تواجهه؟

تساؤلات تراودني و سأحاول الإجابة عنها في جزء قادم من “وجهة نظر”.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.