فصول من تاريخ التدين المغربي

محمد الزاوي9 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 8 أشهر
محمد الزاوي
تمغربيتوجهة نظر
فصول من تاريخ التدين المغربي

تمغربيت:

محمد زاوي

1-توطئة

وجب التمييز، أولا، بين الدين والتدين، فالأول يعني الدين في جوهره الوجودي، فيما يعني الثاني الدين في جوهره الاجتماعي والسياسي. بتعبير مفكر سوداني معروف، الأول هو العمود الثابت (عنصر ثبات)، والثاني هو ما يدور حوله (عنصر مرونة). ولا ندري ما كان يقصده المفكر السوداني بتعبيره، أيقصد ما اعتاد عليه الفقهاء؟ أم يستصحب ما اعتادوه لإيجاد صيغة توفيقية بين ديدنهم وما يقوله البحث التاريخي عن الدين والتدين؟

لا تدخل هذه الإشكالية في صميم اهتمام هذا المقال، فمرادنا هنا أن نبرز بعض الملامح من تاريخ التدين المغربي، هذا التدين الذي يحمل في أحشائه بذورا من الجوهر الوجودي للدين، من غير انفصال عن شرطه المغربي الخاص الذي أنتج جوهره الاجتماعي.

2-التوحيد والدولة

لقد كان الفتح بالقرآن، في أرض المغرب، سابقا على الفتح بالسلطان. إذن، فلنطرح السؤال التالي: ما تفسير إقبال المغاربة على دين الإسلام من غير قوة ولا سلطان أول الأمر؟ لا بد أن حاجة ما دفعت المغاربة دفعا إلى دين التوحيد، فاعتنقوا عقيدته كأساس لدولة قادمة، لدولة تنتظر شرطها السياسي لتخرج للوجود.

كان التوحيد، بالنسبة للمغاربة، أساسا إيديولوجيا للدولة؛ أساسا افتقروا إليه، فكانت محاولاتهم لتأسيس دولتهم دائما ما تنتهي بالفشل، تعوزهم فيها العقيدة الجامعة. كانت كل كونفدرالية قبلية سرعان ما تنشطر على نفسها، لتنتج “تاقبيلتاتها” من جديد. فالأساس العقدي (الإيديولوجي) الذي من شأنه أن يكرس الوحدة كان مفقودا، فتأخرت الدولة.

وهكذا، سبقت الإيديولوجيا الجهازَ إلى أرض المغرب، فما كان من الأدارسة إلا أن أكدوا تلك الإيديولوجيا وأولوها، ثم استثمروها في وضع جهاز الدولة.

3-قراءة المغاربة

قلنا إن المغاربة عرفوا القرآن قبل معرفة السلطان، فكانت قراءة المكتوب وحفظه أول عهدهم بالقرآن، على يد الدعاة الأوائل القادمين من المشرق العربي الإسلامي. فتأثرت قراءتهم للقرآن، قبل أن يستقلوا بتأويلهم للإسلام، بالمشرق من جهتين: الحرف والتفسير (الفهم).

عموما، لم يخرج التفسير عن جدل العلاقة بين الدولة المجتمع، عبر مختلف مراحل التاريخ المغربي. يسود تفسير ما المجتمعَ كلما كانت الدولة أكثر قدرة على بسط سلطانها الإيديولوجي على أفراده، وينحسر هذا التفسير كلما زاحمته تفاسير أخرى تنتجها حركات المجتمع، التي تتحول إلى دولة فيما بعد، أو ينتهي بها المطاف إلى الانهزام بين فكي الدولة السائدة.

أما الحرف، فقد كان مشرقيا في البداية، كما قلنا؛ إلا أن المغاربة أدمجوه في تجربتهم التاريخية، فكانت لهم مدارسهم الخاصة في القراءة: مدرسة قراءة الإمام نافع، مدرسة ابن بري، مدرسة الخراز في الرسم، مدرسة أبي عبد الله الصفار، مدرسة ابن غازي، مدرسة ابن القاضي، بعض الآراء في التجويد. (محمد المختار ولد اباه، تاريخ القراءات في المشرق والمغرب، منشورات “إيسيسكو”، 2001)

4-حديث المغاربة

اعتنى بالحديث النبوي الشريف من المغاربة سلاطينُ وعلماءٌ، رجالٌ ونساءٌ (الأميرة العلوية العالمة خناتة بنت بكار)، كبارٌ وصغارٌ، أسرٌ وأفراد؛ اعتنوا به فاتحين ومستقرين، مع تفاوت فرضته الحاجة؛ واعتنوا به قدماءَ ومعاصرين، حسب المطلوب من كلّ منهم.

نبّه إلى أهميته الفاتحون، ونظم له المغاربة الرحلات إلى المشرق (العلمية/ الحج)، وطلبه الأدارسة في متن “موطأ الإمام مالك”، وبرّز علماءَه المرابطون، وأسس الموحدون مجالس تدريسه والامتحان فيه، وأحب المرينيون أهله، وأوقف على مجالسه الوطاسيون أوقافا، ورسّم السعديون سرده وقراءته، وتخصص فيه بعض السلاطين العلويين وطوروا العناية به. (محمد عز الدين المعيار الإدريسي، درس “عناية ملوك المغرب بالحديث النبوي الشريف”، سلسلة “الدروس الحديثية البيانية”، إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم)

وهكذا، عرف المغاربة الحديث بمجهودات محدثيهم وفقهائهم، وبأمر وإشراف من سلاطينهم وملوكهم. الحديث، في المغرب، نتاج علاقة بين الدولة والمجتمع، علاقة مضمونها هو ما حدد المعالم الكبرى للمدرسة المغربية في دراسة سند ومتن الحديث.

5-عقيدة المغاربة

أما اعتقاد المغاربة فقد مر بمراحل:

– مرحلة اختلاف العقائد: مرحلة تزامنت مع الفتح الإسلامي، لتتسرب من المشرق عقائد شتى، منها السني الصحيح، ومنها البدعي المنحرف الفاسد. فانتشرت بشكل أكبر عقائد صحيحها، وبجانبها أو على هامشها انتشرت عرضا، عقائد الشيعة والخوارج الإباضية والمعتزلة الواصليين… الخ.

– مرحلة “دمج” العقائد: وتلك كانت مهمة الأدارسة، فمن ذكائهم تأسست العقيدة السنية الصحيحة وانتشرت، ما دام أن الأدارسة اشتغلوا بخطاب “الدمج”، ومن خلاله استقطبوا أتباع فرق عقدية أخرى.

– مرحلة السلفية المرابطية: كانت عقائد المرابطين سلفية بمعنى ما، أي أنهم لم يتكلفوا التأويل وإثبات العقائد المنصوص عليه بإعمال العقل، وربما لم تكن شروطهم تسمح بذلك، أو تطلبه منهم. إلا أن صرامة المرابطين العقدية، لم تمنع من ظهور الأشعرية في عقر دارهم، أي أغمات ومراكش، على يد أبي الحسن المرادي الحضرمي.

– مرحلة أشعرية الموحدين: وهنا أصبحت الأشعرية عقيدة دولة تفرضها على المجتمع، مستندة إلى مضمون الأشعرية في متنها، والقابلية إليها في الواقع (الحاجة السياسية/ انتشار منحسر للأشعرية/ أشعرية مضمرة في عقائد الناس)، وقوة وكاريزمية شخصية المهدي بن تومرت تلميذ المدرسة الغزّالية (نسبة إلى المهدي بن تومرت).

– النقاش الكلامي في مهب التحولات: وهذه مرحلة طال أمدها، إذ هي نفسها تستبطن في أحشائها عددا من المراحل: تأسيس المدارس الكلامية في المغرب والأندلس، ازدهار النقاش الكلامي، ضعف هذا النقاش، التجديد الأول مع الإمام السنوسي (صاحب المقدمات، وأم البراهين، والعقيدة الكبرى… الخ)… إلى غير ذلك.

– المرحلة المعاصرة: جاءت مرحلة الاستعمار، فكان لها تأثير على عقائد المغاربة، بمحاولة تفكيكها وتحريفها لمصلحة المستعمر. فاحتاج الأمر إلى تجديد ثان (بعد تجديد الإمام السنوسي)، وذلك بإفراغ العقيدة الأشعرية في قالب الدولة الحديثة، لتصبح جزءا من أدلوجتها. وكان من شأن هذا الإفراغ أن يجيب على تحديات بعينها، سياسية واجتماعية، فتم التركيز على مضامين دون أخرى في العقيدة الأشعرية. فسلمت الدولة والمجتمع المغربيين من صراعات كلامية غير مجدية، ليس تحتها عمل، كتلك التي ظهرت بين سلفيي مصر وأزهرييها.

6-فقه المغاربة

المغاربة، في الفقه، مالكيون. وليس ذلك منذ زمن المرابطين فحسب، بل منذ زمن الأدارسة. فقد “كان المغاربة في أول عهدهم بالإسلام على مذهب جمهور السلف، أصولا وفروعا، اعتقادا وتشريعا، كمذهب الإمام أبي حنيفة ومذهب الإمام الأوزاعي وغيرهما، إلى أن استقروا على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه أيام الأدارسة”. (محمد الروكي، المغرب مالكي.. لماذا؟ منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2003، ص 5)

ولم تدم فترة ضرب الحصار على المذهب المالكي، في عهد السلطان يعقوب المنصور الموحدي، أكثر من خمسين عاما. ومن شدة تعلق الفقهاء المغاربة بالمذهب المالكي، فقد حافظوا عليه ودافعوا عنه، طيلة تلك الفترة. (نفسه، ص 9)

7-سلوك المغاربة

عرف المغاربة، حسب ما ذكره علال الفاسي، ثلاث مدارس سلوكية: تصوف الفقهاء (الإمام ابن الحاج العبدري، قاضي فاس الرندي، الحاج محمد كنون الكبير… الخ)، وتصوف “أهل الحقائق” وفق ما يسمون به أنفسهم (ابن سبعين، ابن عربي، ابن العريف… الخ)، وتصوف الأخلاق (الإمام الجنيد). وهذا الأخير هو الذي تم التركيز عليه، في فترة ما بعد الاستقلال. وبالضبط، في العقدين الأولين من الألفية الثالثة.

يقول علال الفاسي عن علاقة المغاربة بتصوف الأخلاق: “وتصوف الأخلاق والرقائق، وهو الذي استقر عليه عامة المتصوفين المغاربة، وكان له الأثر الفعال في مجتمعنا الإسلامي المغربي”. (علال الفاسي، التصوف الإسلامي في المغرب، مؤسسة علال الفاسي، 1998)

ومما لا يجوز إغفاله أن تأطير الزوايا، في المجتمع المغربي، لم يكن بالأمر الهين زمن انحسار محاضن التأطير والتربية، وانحصارها في المساجد والزوايا. فكثيرا ما كان المغاربة يهرعون إلى الزوايا والمساجد، كلما اضطربت الأحوال الاجتماعية وتعسرت الظروف السياسية. بل كثيرا ما كان المتصوفة يتطوعون، وهو واجبهم في الحقيقة، إلى ملء الفراغ السياسي والاجتماعي، كلما بدا لهم ذلك (حالة أبي العباس السبتي).

المغاربة أغلبهم “ملامتيون”، هذه طريقتهم الجامعة في التصوف؛ أو هكذا يقول عبد الصمد بلكبير دائما، و”الملامتية” طريقة عبد الرحمان المجذوب، وشيخه علي الدوار الصنهاجي، والتي تعود في الأصل إلى أبي عبد الرحمان السلمي النيسابوري. ومفادها: أن ينكر الفرد على نفسه أعمال الخير الصادرة عنه، فلا يكترث لمدح أو ذم، وينغمس في الإخلاص إلى أقصى حد. وكذلك هم المغاربة، عموما، يعطون ويبذلون، من غير تفكير في جني ثمار عطائهم وبذلهم، إلا ما ندر.

8-“خلعاء” المغاربة

وتلك فئات تنتهي ويتلاشى دورها شيئا فشيئا، مَهما كان تأثيرها. لها في زمننا المعاصر وجود عرضي هامشي شذوذي، كما كان في السابق بالنسبة للخوارج والبورغواطيين والعكاكزة… وغيرها من الفرق والطرق.

ووجب التنبيه إلى أن تركيز بعض الباحثين ومراكز البحث، على تاريخ هذه الفئات، ليس بريئا. فالعمل على تحويل العرضي إلى جوهري، وخاصة إذا كان هذا العرضي غير قابل للتحويل في شرط ما، آيل إلى الفشل؛ إلا أنه يكون مشَغّبا على الخط العام، مربكا للتدين المغربي.

لم ننسق، في هذا المقال، نحو هذا المنهج، أي تسليط الضوء على العرضي على حساب الجوهري، لأننا نعي أن التاريخ “رجوع للماضي بإشكالية في الحاضر والمستقبل”. التأريخ غير، والتاريخ غير. الأول اشتغال على الشواهد بمنهج علمي متقدم (عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، الجزء الأول)، والثاني استعادة للماضي لا تخلو من فلسفة وسياسة/ أدلجة. 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.