في المتربصين بأسس التدين المغربي..

محمد الزاوي22 يناير 2022آخر تحديث : منذ 10 أشهر
محمد الزاوي
وجهة نظر
محمد السادس

تمغربيت:

بقلم: محمد زاوي*

أكثرهم جاهلون، وجهلهم حاصل بعدة مسائل:

– التمييز بين عالمي الغيب والشهادة:

وهكذا لا يهتمون في عالم الشهادة إلا بما ينظرون فيه من عالم الغيب، فلن يهتموا باقتصاد الدولة، ولا بجغرافيتها ولا حدودها الترابية، ولا بتاريخها وعنصرها البشري في تحديده الملموس. بل بالغيب وحده يعلنون اهتمامهم، رغم عيشهم على “الإنتاج المادي” للاقتصاد والسياسة والجغرافية والوحدة الترابية والعنصر البشري، أي على الإنتاج المادي لعالم الشهادة. وتلك هي المفارقة المستغَربة، التي لا يعبر عنها ببلاغة إلى مَثل المغاربة: “يأكلون الغلة ويسبون الملة”.

– العلاقة بين الزمني والروحي في الواقع لا في الأذهان:

يتصورن الروحي قائدا للزمني، ويظنون أن الأمر كان كذلك في واقع يسمونه “واقع خير القرون”. والحقيقة التاريخية لا تنفي تأثير الروحي في الزمني، إلا أن الأول لا يجد قالبه إلا في الزمني، ولهذا (الزمني) سلطة يفرضها من خلال قالبه. وكذلك كان منذ تأسست السلطة الروحية، ليس في الإسلام وحده، بل في تاريخ الإنسان ككل. فكان من ضرورة التاريخ، إذن، أن يضع كل ذي مصلحة المسألة الدينية نصب عينيه. ولا عيب في ذلك، إذا تم توظيف المسألة الدينية لصالح الإنسان، والدولة، والوطن. لا مشكلة في التوظيف إذن، بل في المساعي اللاسديدة والخاطئة لذلك التوظيف.

– التمييز بين تدين الفرد وتدين الدولة:

يعتقدون أن الإنسان في صلاته الخاشعة، كالقائد في دولته المعقدة، ذات العلاقات المتشابهة حمالة الأوجه، في عالم دائم الحركة والتغير، “توزَن فيه المواقف والقرارات ببيض النمل”. ولذلك، فلا تمييز لديهم بين تدين الفرد وتدين الدولة. والحقيقة أنهما مجالان يختلفان من حيث الطبيعة. الأول سيكولوجي، والثاني تاريخي ملموس. الأول متعة دائمة، والثاني توتر لا ينتهي. الأول سباحة في عالم الوجود، والثاني حذر من “مكر التاريخ” (هيجل). وهكذا لا ينفصل التدين، عند رجل الدولة، عن الاقتصاد والعلاقات الدولية والمخابرات والقانون… الخ. إنها، في وعيه، أجزاء لكل واحد هو: الدولة، ولا شيء غير الدولة.

– التمييز بين الإسلام في بعديه الوطني والأممي:

فإذا كانوا لا يميزون بين غيب وشهادة، وإذا كانوا لا يعون العلاقة الملموسة بين الزمني والروحي، وإذا كانوا لا يميزون بين تدين في السيكولوجيا وآخر في التاريخ؛ فإنهم سيزدرون أوطانهم، وكذلك يفعلون، لا يخضعون إلا خوفا وتقية. لا وعي لديهم بوطنهم، ولا اهتمام يدفعهم لذلك. لا يعترف أشدهم تطرفا بالفكرة الوطنية، وأقلهم تطرفا ينظر إليها كجسر لفكرة “الأمة”. والخلاصة، أنهم جميعا فاقدون للوعي الوطني السديد. فهذا لا يتحقق إلا باستيعاب الملموس، وهذا عندهم غيب يخدم شهادتين: “شهادة العثمانيين الجدد/ خليجيي الديمقراطيين الأمريكيين” من جهة، و”شهادة الأجنبي” من جهة ثانية.

– توظيف الأجنبي لعولة الإسلام:

فتحْت قناع “إسلام العالَمين”، تتم “عولة الإسلام”. وعلى النقيض من “الإسلام الوطني”، يتم التسويق لنموذج عولمي يخدم الأجنبي، لا الوطن. إنه إسلام اشتغلت عليه مراكز “الاستشراق الجديد” في حواضر غربية معروفة، ليكون معولا من معاول التفكيك في الوطن العربي ودوله. وكذلك كان في إطار من “لبرلة الإسلام”، “لبرلة” عفنة انتقائية هجينة ولا معيارية، “لبرلة” أنتجت اللاوطنية السلمية في مستوياتها الدنيا، واللاوطنية العنيفة في مستويات قصوى.

****

أسجل العناصر أعلاه، وأتساءل كما كنت أتساءل دائما: ما لِهؤلاء لا ينصتون إلينا؟ ما لرموزهم يغضون الطرف عمّا ننبههم إليه؟ أفِعلا هم جاهلون أم أنهم يتواطؤون مع الأجنبي تحت أقنعة؟!

لا أستطيع اتهام أحد، إلا أن الريبة لا تفارق عقلا اطلع على أرقام تمويلات أجنبية حصلت عليها منظمات حقوقية، قبل 12 سنة من الآن، في المغرب ودول عربية أخرى. ولا تعطى التمويلات الأجنبية لسواد العيون، بل إن “المناضل الحقوقي” يتحول بفعل ذلك إلى “مجنّد” لدى مخابرات أجنبية دون وعي منه.

****

تحدثنا عن جهل المتربصين، فلنتحدث الآن عن نماذجهم الثلاثة:

– الرافضون للأصل:

وهؤلاء لم نتناول جهلهم بالنقاش أعلاه، فهم يرفضون الدين ويزدرون التدين جملة، يشغلون التفكيك في “النص الديني” و”المقدس”، لا يميزون بين مختبر وتاريخ، ولا بين عقيدة وثقافة. لا يتصورون عالما لا تطابق فيه بين نتائجهم المعرفية ومطالب التاريخ، والحقيقة أن تصورهم طوبى لم يسبق لها أن كانت، ولن تكون إلا كمرحلة أخيرة لتاريخ الإنسان، مرحلة لا اغتراب فيها للإنسان، “لا لغو فيها ولا تأثيم”. وتلك طوبى، “جنة”، قد ينجح الإنسان في الحفاظ عليها وقد يفشل. هذا هو “الحلم الكلي للإنسان”، الذي قد تتطابق فيه المعرفة مع التاريخ. أما في مجتمعاتنا الحالية، فالمعرفة أكثر تقدما على التاريخ، بتفاوت بين التواريخ الخاصة لدول العالم.

ولا يسقط “الرافضون للأصل” في خطأ عدم التمييز بين “المختبر والتاريخ” وحده، بل في خطأ آخر مفاده “التحيز للنموذج المعرفي الغربي”، هذا النموذج الذي لا يخلو من عيوب أبرزَها النقد “الما بعد حداثي” للحداثة الغربية (لا يتسع المجال للتفصيل في هذا الموضوع هنا، قد نفصل فيه في مقال آخر).

إن جهلهم بتقدم المعرفة على التاريخ، وبعيوب المعرفة الغربية الحديثة مهما راكمت في الإنتاج المادي؛ هو ما جعلهم ينفون تاريخ أوطانهم بتاريخ الآخر، ويخضعون لاستلاب خصوصيتهم من قبل الأجنبي. وهكذا دعوا بشكل جزافي إلى “علمانية الدولة”، خاضعين لسلطة سياق غربي، هو سياق الثورة البورجوازية في أوروبا.

والحقيقة، أن العلاقة بين الدين والدولة ليست محكومة بسياق واحد، أو بمبدأ واحد. بل إن شرطا تاريخيا معينا هو ما ينسج بخيوطه طبيعة تلك العلاقة، هل هي علاقة فصل مطلق؟ أم وصل مطلق؟ أم شراكة؟… إلى غير ذلك من تمظهراتها. والدولة المغربية مهما تقدمت في مسار تحديثها، ما زالت تقيم شرعيتها على أساس من الدين، بنص الدستور. ولا يعني ذلك أي دين، بل الدين المنتج لأسس التدين المغربي كما تشرف عليه مؤسسة “الأوقاف والشؤون الإسلامية”.

قد يعتبر بعضهم هذا التسليم ل”وزارة الأوقاف” طأطأة للرأس ودنية في الرأي، ولا يهم كاتب هذه الأسطر كل ما سيقال، لأن “الحق يعلو ولا يعلى عليه”. وإن من درس الشريعة، ومعها تاريخ الإسلام، وحده من سيفهم كلامنا، ووحده من سيعرف أن “الدين شأن عظيم لا يقبل عليه إلا حكماء الشريعة”، وليس حكيما في الشريعة من لم يكن رجل دولة، أي رجل تاريخ.

– المتربصون بوضوح:

ويدخل في هذه الفئة مجموعتان: مجموعة “الفقه الميسر”، ومجموعة “تبديع المذهبية”.

تيَسّر الأولى الفقه بإخراج أحكامه من سياقها الاستنباطي، وكذا بإعمال انتقاء العامة فيها وفق ما يخدم الأهواء الخاصة. وإذا كانت المنظومة الفقهية التقليدية قائمة على ثنائية مجتهد/ مقلد، فإن “الفقه الميسر” جعل من المقلّد مجتهدا، ينافس الفقهاء، وذلك مدخله لمنافسة الحكام والأمراء. المؤدى، إذن، سياسي، يبتغي بعولمة الفقه عولمة الحكم، ويبتغي بتفكيك المؤسسات الفقهية التقليدية تفكيك الدولة.

أما الثانية، فلا فقه عندها إلا فقه الأثر، ولا مذهب يُعتدّ به لديها إلا الأثر. وإذا سئلت عن طرقها في فهم الأثر، أجابت أنها تقصد الأثر بفهم السلف. وكأن السلف واحد غير متعدد، وكأنه واحد لا اختلاف فيه. والحقيقة أن تعدد الأدلة أدى، كنتيجة مباشرة، إلى تعدد السلف واختلافه. فما المذاهب إلا امتداد لذلك التعدد والاختلاف، إذ اختلفت الاجتهادات في عصر الصحابة، قبل أن تختلف في عصر مدوني المذاهب الفقهية. نستنتج، إذن، أن ادعاء “سلفية بلا مذهب/ فرقة/ طريقة” ليس في جوهره إلا إنتاجا لمذهب جديد، يخدم دولة جديدة في الخليج، هي السعودية.

ولا عتب على السعودية، فمن حقها أن تحصن حدودها المادية والإيديولوجية بخطابها الديني الصالح لخصوصيتها. وغير المقبول هو انتقال تلك الخصوصية إلى دول أخرى، كالمغرب مثلا؛ فمن غير المقبول أن تفرض العقيدة السلفية بنيتها الكلامية على عقائد الأشاعرة في المغرب، ولا أن تفرض التربية السلفية طريقتها على التصوف المغربي، ولا أن يفرض فقه الأثر الحنبلي قواعده في استنباط الأحكام على أصول المالكية المغربية. كل ذلك غير مقبول، وتبقى السلفية الحنبلية السعودية محترمة في حدودها، تحمي دولتها من التفكيك المتربص بها.

إن التربص الواضح بالثوابت المغربية لا يتورع في نسبة الشرك إلى “الأشعرية”، والبدعة إلى “التصوف”. وذلك جزء من كل تكلمنا عنه أعلاه، حيث استدعاء الخصوصية الثقافية لشرط تاريخي ليس لها. قد يكون القول بشرك “الأشعرية” صالحا في السعودية حفاظا على خصوصيتها، إلا أنه ليس كذلك في المغرب، انطلاقا من نفس المنطق (=منطق الخصوصية). وقد يكون تبديع “التصوف الطرقي/ تصوف الزهد والكرامة” أمرا مطلوبا في السعودية حفاظا على مركزية السلطة، إلا أن هذه تتحقق/ وتحققت في المغرب بالزوايا والطرق الصوفية.

الإدارة المغربية وحدها قادرة على تحديد الخطاب الديني الصالح لها، ومن يتربص بهذا الخطاب، فهو لا يخدم إلا خطابا دخيلا أجنبيا على وجه الخصوص، لا الدين في عمومه.

إن الأفراد يحتكرون الدين في أنفسهم، فيما تحتكره الدولة في المجتمع، فلا يجوز الخلط. ولا يحتكر الأفراد في حياتهم الخاصة إلا الوِجد الديني، المشاهدة الخاصة، وتلك مؤطّرة في الخصوصية المغربية بتصوف “الحضرة والكرامات”. ويشتعل الوِجد نورا بانسجامه مع مكانه وزمنه، أي مع إطاره الجغرافي التاريخي، أكثر مما يتحقق له ذلك خارجهما. فللاوعي تاريخ (سيغموند فرويد)، فيه يكون الدواء أكثر نجاعة، وفيه تحقق عملية “التخلية والتحلية” نتائجها الباهرة.

– المتربصون بقناع:

وهؤلاء هم أخطر الأصناف على الأمة المغربية، نكشف خدعتهم هنا باختصار، على أمل أن نخصص لهم مقالا كاملا في القادم من الأيام. لا مشكلة لديهم مع كافة أسس التدين المغربي، من حيث شكل خطابهم. إلا أنهم يستبطنون التربص بمؤسسة إمارة المؤمنين، وذلك ما يجعلهم على النقيض من تلك الأسس، مهما دافعوا عنها شكلا. وليس هذا حكما جزافيا، بل هو ناتج عن قراءة متأنية فيما به قامت تلك الأسس، عبر التاريخ. فإذا كانت قد قامت على أساس من الدولة، من إمارة المؤمنين، فكيف يدافع عنها ويتشبث بها من يبحث عن خصومة مع أساسها الأول (=أصل الأصول)؟

قد نرجع الأمر إلى جهلهم بالعلاقة الجدلية القائمة بين الدولة والمجتمع، حيث تخدم الدولة المجتمع بحفظ بناه الثقافية وإعادة إنتاجها لصالحهما معا، وحيث ينتج المجتمع القابلية لكل ذلك. إلا أن المجتمع بطبيعته يخدم التعدد والاختلاف أكثر مما يخدم الوحدة، فلا يكون مؤهلا للحفاظ على بناه الثقافية موحدة صامدة في وجه التغيرات، فكيف ينسب له هؤلاء حماية الوحدة الدينية على النقيض من إمارة المؤمنين؟

يهم المستثمرين في هذا الطرح تفكيك سيادة الدولة المغربية، بافتعال التناقض بين الدين والدولة، وبين اختيارات التدين والتمذهب وإمارة المؤمنين، أكثر مما يهمهم أي شيء آخر. يريدون تجريد الدولة من شرعيتها الدينية، فتتفكك، ويفتتن المجتمع تحتها. ولا منجاة من ذلك إلا بالتمسك بالثوابت المغربية في التدين والتمذهب، وبأساسها الأول: إمارة المؤمنين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.