قبسات في التنوير، التغيير والتحرير…لا جمود ولا جحود .. لعلال الفاسي

الحسن شلال21 يوليو 2022آخر تحديث : منذ 4 أشهر
الحسن شلال
وجهة نظر
قبسات في التنوير، التغيير والتحرير…لا جمود ولا جحود .. لعلال الفاسي

تمغربيت:

الحسن شلال 

وقف الناس من الديانات السماوية موقفا غريبا، لأنهم لم يعرفوا قيمتها ولا قدروها قدرها، فمنهم من تمسك بالعاطفة الدينية وحدها…وحمله الحب لها والحرص عليها على أن يأخذ كل ما ينسب للدين على أنه دين، متجاهلا ما أحدثته الظروف التاريخية والاجتماعية. وما أدخلته في الديانات مما ليس منها حتى انحرفت بها عن الطريق السوي والدعوة المثلى، التي بلغها الرسل وآمن بها الأنبياء. (…)

وقد كان الجانب الذي انحرف عنه الناس من شؤون الملة، أكثر من غيره…هو ما يرجع للنواحي الاجتماعية وما يمس الحق العام، أو يتناول صلة الأفراد بالحاكمين، وصلة مجموع الأمة ببعضها.(…)

واتصل هذا الانحراف بعامل الجمود على ما ألف الناس من الخرافات…فتأولوا عقيدة القضاء والقدر الإسلامية على أنها جبر لا يسمح بالعمل على تغيير الأحوال وإصلاح الشؤون. لأن ما وقع في العالم لابد أن يدوم، إذ هو مطابق لمقتضى إرادة الله التي لا تقبل التبديل، وهو تأويل لا يتفق مع الحقيقة الشرعية، لان إرادة الله الخاصة تابعة لإرادته العامة، التي تعنى تسيير شؤون العالم بمقتضى نواميس أودعها فيه، وطبائع وضعها في كل الأشياء.

كان لهذا الجمود أثره الفعال في وقوف سير تاريخ الأمة الإسلامية إلى الأمام، ولولاه لما وقفنا في منتصف الطريق أولا…ثم أخذنا نتقهقر إلى الوراء، حتى ضاعت معرفتنا وذبل غرسنا وكدنا لا نعرف من العالم إلا ما توحي به الأوهام. وما تتحدث به الخرافات أو ترويه المناقب. لقد كفرنا بالشهادة فلم نعد نقرأ لها حسابا، وحولنا الغيب الإلاهي إلى غيابات من الجهل لا تتفق مع شيء مما أمرنا به، أو حذرنا من الوقوع فيه. (…)

وفي هذا الوقت نفسه، كان العالم الأوربي يتدبر فيما اقتبسه من تعاليم ديننا وما استمده من أصول حضارتنا، ويحاول أن يبدأ السير من حيث وقفنا وأن يعمل على دراسة العالم ومظاهره والاستفادة من موارده المختلفة، حتى اكتشف آلة البخار التي غيرت مجرى الحياة وطورت مقادير الإنسان.(…)

ما هي الأسباب وما هو الدافع لسقوطنا ونهوض غيرنا؟

ما هي العوامل التي جعلت تلامذتنا بالأمس أساتذة لنا بل سادة يحكموننا؟(…)
التجأ الجامدون إلى الرضى والاستسلام، وقد حلوا المشكل مع أنفسهم، لأنهم لا يبحثون عما يغير الوضع، ولا ما يبدل الأحوال.(…)

أما الفئة النيرة فقد اندهشت من هول الموقف، وأنساها الذهول ماضي أسلافها وتعاليم دينها، وحسبت أن ما حصل عليه الغربي هو ذاتي له، وأن الدين وحده هو العائق عن النهوض واللحاق بركب الحضارة الأوربي.

ولكن هذا المنطق غير سليم، لأنه لم يتعمق أسباب انحطاطنا ولا أسباب رقي الغرب، ولأنه لم ينظر إلا لظاهر المسلمين في إبان تقهقرهم.

إنه يحتج بجمود الجامدين على الدين وعلى تعاليمه، مع أن الإنصاف يقضي دائما بالتفرقة بين حقيقة الإسلام وبين ما عليه المسلمون، كما أن من الخطأ اعتبار أن الغرب قد كفر حين تابع طريق النهضة الاقتصادية وشايع مقتضيات الزمن، بل إنه أكثر ما يكون إيمانا بالنواميس التي أودعها الله في الكون، وهو لم يكفر بغير الجمود الذي علمته كنيسة العصور الوسطى، والذي يتنافى مع غايات الديانات السماوية جمعاء.(…)

فهل من الحكمة أن نشايع الغرب في كل أموره؟ ونتابعه في خلافاته فنتفق حيث يتفق ونختلف بالنيابة عنه أيضا؟
أم الواجب يقضي علينا أن نعتبر أنفسنا أمة قائمة بنفسها، وأن ما يجمعنا مع الغرب هو أننا جميعا من عالم إنساني واحد، تسيره سنة كونية واحدة، وأنه في دائرة هذه السنن الكونية يجب أن نبحث عما نبذناه واقتبسه الغرب، فنستعيده، ونستفيد من تجارب تطبيقه، وما لم ننبذه من تعاليم السماء، فنحتفظ به وإن كفر به الغرب الراقي.(…)

ومتى قمنا بهذا البحث، فإننا نجد الغرب قد نجح بالتطور العلمي الآلي الذي حصل عليه، وليس في الإسلام ما يعوقنا عن اتباع ذلك النهج الذي سلكه، فلنبذل كل ما في مستطاعنا إذن للحصول على ثقافة علمية متينة، وعلى مقدرة فنية قوية ثم لنعمل على تطوير اقتصادياتنا وتحريرها من عوائق الماضي وموانع الحاضر الاستعماري.

وهذا لا يتوقف على أكثر من نبذ الجمود، والرغبة في تبديل أوضاعنا وتغيير أحوالنا، واليقين في أن الدين يفرض علينا أن نتعلم كل ما في الوجود من أسرار، وأن نسخرها لصالح الإنسانية وخدمة رسالتها التي هي عمارة الأرض وازدهارها وهناءة أبنائها. (…)

وهل يمكن لمجتمع أن ينهض إذا لم يحتفظ بهذا الصفات الإنسانية التي كان إيماننا بها في مقدمة الاستعداد الذي نشعر به لترميم ما خرب، وإعادة ما انهدم من صرح حضارتنا ومجدنا؟

إن الجمود في الدين، هو الذي أوقعنا في الهوة التي سقطنا فيها، فنبذه والعدول عنه، والكفر بآثاره كلها، في مقدمة ما يجب عمله لمن أراد أن ينهض بالمسلمين ويرفع من شأنهم.

وجحود تعاليم الدين لا يمكن أن يكون علاجا لآفاتنا، ولا دافعا للنهوض بنا من كبوتنا لأنه لن يمنحنا إلا الكفر بما بقي في نفوسنا وفي مجتمعنا من فضائل لابد منها لإنعاشنا وانبعاثنا.

لا جمود، ولا جحود، تلك هي – دعوة الحق – التي يجب أن تعم كل أوساطنا حتى نتمكن من السير إلى الأمام، ممتلئين إيمانا ويقينا، وعارفين بما نعمل وبالطريق التي نسلك.
“لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ”? [الرعد: 14].

*هو ملخص ومقتطفات لمقال العلامة علال الفاسي نشره بالعدد : 1.. دعوة الحق المغربية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.