لما قلتُ ل”الإخوان”: لا تكثروا على الفقيه ابن بية.. فهو في هذه كغيره في أخرى..

رئيس التحرير10 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
رئيس التحرير
وجهة نظر
لما قلتُ ل”الإخوان”: لا تكثروا على الفقيه ابن بية.. فهو في هذه كغيره في أخرى..

تمغربيت:

محمد الزاوي*

طبّعت الإمارات العربية المتحدة مع “إسرائيل”، العام الماضي، وكان للفقيه عبد الله بن بية في ذلك رأي معروف.

تداعى تيار “الإخوان المسلمين” وفقهاؤهم على شخص ابن بية، وتناسوا بين عشية وضحاها نيابته لشيخهم القرضاوي في “الاتحاد العالمي لعماء المسلمين” (القطري)؛ تناسوا أنه لم يخرج من “الاتحاد” إلا بعد أن أصبح، هذا الأخير، أداة من أدوات “الفوضى الخلاقة والثورات الملونة” في المنطقة (أو لعله كان كذلك منذ البداية!).

“فوضى 2011″ كانت في نظرهم بطولة، ولذلك نقموا على ابن بية منذ خروجه من الاتحاد، إلا أن موقفه الإيجابي من تطبيع الإمارات عرضه ل”فجور الإخوان” أكثر من أي موقف آخر.

دافعتُ عن الفقيه الأصولي المقاصدي عبد الله بن بية، آنذاك، بمنطقي وحسب قراءتي ل”طبيعة وجود تيار الإخوان” في الوطن العربي. وكان ذلك في مقال أحسبه فاصلا في نظرتي إلى تيار أعرفه جيدا، فكرا وممارسة.

وفيما يلي نص المقال، كما نشرته، بتاريخ 25 غشت 2020:

“لكل دولةٍ فقهاء، تتمثل أدوارهم في الآتي:

– تبرير قرارات الإدارة بالقول الفقهي.

– تنظيم المجتمع بالفتوى والخطاب الأخلاقي والعقدي المناسب.

– الإشارة على الحكّام بما يبدو لهم من قول سديد أو قصور فهم (وهذا ما يسمى في “السياسة الشرعية” ب”النصيحة”).

سينتفض كثيرون بقولهم: “ما هكذا ينبغي أن يكون الفقيه، وإلا تحول إلى فقيه سلطان”. ونحن نقول: ”إنه كذلك، وإلا لما كان فقيهَ دولة. إنه في حاجة إلى من “يحقق مناطه” في السياسة والاقتصاد والاجتماع، في الدولة والمجتمع معا، حتى يكون موقفه سديدا، وحتى يكون رأيه متماشيا مع مطلوب الدولة في تاريخها الخاص.

إننا نعيش اليوم في شرط عام يؤطره التناقض بين: الرأسمالية الغربية المتوحشة المحتضَرة، وبورجوازيات دول الجنوب المناضلة (رغم ما يقال من كلام شعبوي مثالي متفاوت يفقد مصداقيته مع أول سؤال دقيق) تجرّ معها إلى هذه المعركة ما تحتها من فئات وطبقات اجتماعية.

كما أننا نعيش في الشروط الخاصة لكل دولة من دول الوطن العربي على حدة، فهذه لم تستكمل وحدتها الترابية بعد (المغرب)، وهذه تعيش على وقع مشكل المياه وتهديد مجالها الحيوي، وهذه محتلة بقاعدة عسكرية ومخابراتية غربية منذ عام 1948 م (فلسطين)، وهذه مهددة من حدودها الأقرب إليها شيعيا وخليجيا وفي مقدراتها وثرواتها وخاماتها (السعودية)، وهذه مهددة بالتطرف والإرهاب بعد أن أحلوه بها تحت قناع “الثورة على استبداد حكم البعث” (سوريا)، وهذه استبيح نفطها وغازها الطبيعي بعد أن أمّمهما العقيد (ليبيا)، وهذه أصبحت ملاذا للفوضى تحت قناع “ديمقراطية لا تعكس إلا فوضى المجتمع” (تونس)، وهذه أصبحت أجزاء بعد أن وحّدها الزعيم صدام حسين بالحديد والنار (العراق)، وهذه غدت تنتج العولميين والعملاء والولائيين (الولي الفقيه) –بعد أن كانت تنتج المناضلين-  (لبنان)، وهذه أصبحت تشكل ملاذا لتهديد السعودية “حوثيا” من حدودها الجنوبية والجنوبية الغربية (اليمن)… إلخ.

فأي فعلٍ أنتج هذا الواقع المتأخر؟

إن الذين ساهموا في إنتاج هذا الواقع، وأضعفوا “الوطن العربي” وجعلوه عرضة للابتزاز والتجزئة؛ أولئك هم الذين يصدّعون رؤوسنا اليوم باستنكار تطبيع “الإمارات العربية المتحدة”. وفيما تقْدِم الإمارات على هذه الخطوة، فقد أقدموا هم على خطوات سابقة أفظع منها.

وحيث اعتبِر فقهاؤهم أبطالا وثوارا ومناضلين في سبيل الحرية والديمقراطية، لما أفتوا أيام “فتنة الربيع” بقتل معمر القذافي، ولما قالوا بخيانة محمد سعيد رمضان البوطي ل”الشعب السوري”، ولما دعوا إلى أن تشتعل نيران الفتنة في كل مكان؛ حيث اعتبروهم كذلك، ها هم اليوم يعتبرون الفقيه ابن بية “مطبعا ومبرّرا لخيانة قضايا الأمة”. وما ذنب ابن بية إذا ستر “تطبيع الإمارات” بقناع “سلام الإسلام” كما ستر خصومه قَبْله “الخطاب السياسي للجزيرة” بقناع “حرية الإسلام”؟

ليست الإمارات وحدها التي تستقطب الفقهاء وتوظفهم لصالح سياساتها، بل إن قطر تفوقت عليها في ذلك، وهما معا يختلفان عن السعودية. فإذا كانت هذه الأخيرة مستقلة بفقهائها ومفتيها ومؤسساتها الدينية، فإن الإمارات وقطر تفتقران إلى ذلك، ما جعلهما يتهافتان على فقهاء ذوي شرعية وشعبية لتبرير سياساتهما بالقول الفقهي. فكم من فقيه رفض أن يكون “فقيه سلطان” في وطنه، ليجد نفسه “فقيه سلطان” في بلد آخر. وكم من فقيه فرّ من “إمارة مناضلة” (مهما أخطأت وابتزّت) إلى أخرى “عميلة”، أو من “دولة عريقة” إلى أخرى “طارئة ووظيفية”.

وكما ترك ابن بية “محظرات” شنقيط مستغنيا عنها بمآدب “آل نهيان وآل مكتوم”، فقد ترك آخرون المغرب وموريتانيا واليمن ومصر وتونس وسوريا… إلخ؛ مستغنين عنها بجزيل عطاء “آل ثاني”.

الكيل بمكيالين هو ما يجب أن نرفضه في حكمنا على “فقهاء العصر”، ومن يدافع عن فلسطين لا ينبغي له أن يخون قضيتها باحتواء “المقاومة” لصالح “المجمع الصناعي العسكري الأمريكي” (وسياسيا، لصالح “الديمقراطيين”)، كما لا ينبغي له أن يحاصرها بتجزئة الوطن العربي وبلقنته بالفتن والحروب”.

(انتهى نص المقال)

ملحوظة: بمناسبة استقبال الرئيس التركي لنظيره “الإسرائيلي”، ارتأيت أن أذكر “الإخوان” بهذا المقال الذي يخلّد “خطيئتهم السياسية” وفساد وعيهم السياسي، منذ أن وجدوا فزق سطح الأرض.

*باحث متخصص في العلوم الاجتماعية والإنسانية

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.