ما علاقة العلم الفلسطيني بارتفاع الأسعار؟! إنها نهاية إيديولوجيا..

محمد الزاوي25 فبراير 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
محمد الزاوي
سياسةمجتمع
ما علاقة العلم الفلسطيني بارتفاع الأسعار؟! إنها نهاية إيديولوجيا..

تمغربيت:

بقلم: محمد زاوي*

اجتمع عدد من المواطنين المغاربة، يوم الأحد الماضي، بساحة الحمام بالبيضاء، احتجاجا على ما أسموه “غلاء الأسعار”.

ولا نود، في هذه المقالة المقتضبة، الحديث عن مسألة “غلاء الأسعار”، فهذه مسألة جد معقدة، مهما حاولت “الشعبوية” تبسيطها. إنها مسألة يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي، المحلي بالعالمي، الحاضر بالماضي، الاجتماعي بالسيكولوجي، الحقيقي بالإيديولوجي… الخ. والموقف السليم، خلاصةً، هو التوفيق بين حاجة المواطن وإكراهات الدولة، قطعا للطريق على من يريد اللعب على وتر “الحاجة” لخلق “الفتنة”.

ما أثارنا، ونحن نتابع مشهد الاحتجاج، هو رفع العلم الفلسطيني، وإن ذلك لَيعني:

– أولا؛ وجود تيارات إيديولوجية بعينها في الاحتجاج، تيارات يساروية وإسلاموية، سئمت منها القضية الفلسطينية، لعدة أسباب: لأنها لا تعرف عن “القضية الفلسطينية” إلا العنوان، ولأنها لم تقدم لهذه القضية إلا “خدمة الصهيونية” بكيفيات لا يرصدها ويكشفها إلا لبيب (سنفضح ذلك إذا اقتضى الحال).

– ثانيا؛ رغبة هذه التيارات في خلط الأوراق، وإرباك حساب بحساب، وربط ما لا يرتبط إلا على سبيل “أدلجة العوام”. وكأنهم يريدون القول: “سبب الغلاء هو استئناف العلاقات مع إسرائيل”، وهم في ذلك كصاحب نظرية “الصهيونية واختفاء النحل”. إنها عقلية سهلة التوظيف على النقيض من مصالح وطنها، وهي لا تمارس الاحتجاج والمعارضة في حدودهما المعقولة، وإنما في إطار “الفوضى الخلاقة والثورات الملونة”، حيث تغيب الحقائق العيانية وتخلُفها الشعارات الزائفة.

– ثالثا؛ قد يكون حامل العلم الفلسطيني مواطنا عاميا، ليست له علاقة مباشرة بأي تيار؛ إلا أن العلاقة غير المباشرة بتيارات “خلط الأوراق وإرباك الحسابات” حاضرة في لا وعيه وذهنيته، حيث يراد لفلسطين أن تكون قضية فوق كل القضايا، وهذا هو التيه النظري والسياسي بعينه!! فلسطين قضية دولة ومجتمع أساسا، ثم قضية إقليمية وعالمية خاضعة للتوازنات الجيوسياسية، والباقي محركات ومسكنات لا أقل ولا أكثر.

– رابعا؛ على الراغبين في “إحراج الدولة بفلسطين” أن يستحيوا، لأنهم تحت وعي الدولة بآلاف السنين. ليسوا أهلا للاستشارة في “القضية الفلسطينية” لأنهم عاجزون عن الفهم، فما بالك بالفعل! الدولة تعلم علم اليقين أن القضية الوطنية تحت يدها أكثر بكثير من “المشكل الفلسطيني”، وتعرف أن تأثيرها في هذا المشكل يبقى محدودا إذا ما قارناه بملف “استكمال الوحدة الترابية”. فهل يعقل أن تترك الدولة مصالحها القومية عرضة لحسابات الآخرين؟ وهل يعقل أن تفرِّط في الحاضر الشاهد الأقرب والمتمكَّن منه، من أجل غائب بعيد والحظ فيه قليل؟ القضايا العادلة تُنصَر، وشتان بين نصرتها والانتحار فيها من غير عقل، وخارج حسابات السياسة.

– خامسا؛ قد يقول قائل: “من حق الناس أن يستحضروا ما شاؤوا من الرموز والشعارات في تعبيراتهم الفردية والجماعية، وحضور العلم الفلسطيني في أنشطتنا يدل على على بقاء فلسطين فينا”. ونحن نقول: ليست لدينا مشكلة مبدئية مع هذا الكلام، ولكننا نتساءل: لماذا لا تستحضَر بالموازاة مع العلم الفلسطيني الرموز الوطنية، والشعارات الدالة على عمق الارتباط بالقضية الوطنية؟ لماذا لا تتفاعل بعض التيارات بهستيريا مع القضايا الوطنية كما يحدث لها مع قضايا أخرى؟ ألهذه الدرجة هانت علينا قضايانا الوطنية وإشكالياتنا القومية، فطفقنا نعوضها بقضايا الآخرين، التي لن يكون حظنا فيها كحظنا في قضايانا الوطنية؟ ولا أتحدث هنا مع أصحاب مقولة “فلسطين قضية وطنية”، لأنهم لا يفهمون -كما يجب- المعنيين معا: الوطن وفلسطين. أما تفاصيل كل قضية، فلا يدخلونها، لأنها في نظرهم “مكمنٌ للشياطين”، ولا يعلمون أنها “مكمنٌ للحقيقة”.

– سادسا؛ قد يقول قائل: “هناك علاقة بين “مشكل فلسطين” و”غلاء الأسعار”، فكلاهما نتاج نموذج اقتصادي واجتماعي عالمي”. ونحن نرد: لو كان “عولميونا” يفهمون هذا التحليل، لما بعثروا أوراقنا في كل قضية تحتاح فيها الدولة إلى موقف موحد يقويها ويسندها على النقيض من الاستهداف الأجنبي.

– سابعا؛ وحتى يكون الموقف أعلاه واضحا، نسجل: انتهى عصر الشعوب التي تفرض “أمر واقعها” على دولة قديمة لتصنع رهانات دولة جديدة، العصر اليوم هو عصر الإمبراطوريات والدول التي يُعتبَر الخروج عنها ضربا من الفوضى العارمة. هناك صراع دولي محتدم، والرابح فيه، أو على الأقل الناجي فيه، هي الدول القوية والمتماسكة والصامدة في وجه الأعاصير العاتية. لقد انتقلنا من واقع “الشعوب المناضلة” إلى واقع “الدول المناضلة”، فلا يُقبَل نضال الشعوب إلا تحت سقف الدولة. هذا ما فهمته كبريات الدول في العالم، وهذا ما فهمه المغرب نفسه، إلا أن أبناءً من بني جلدتنا لا يعرفون أنهم “عملاء للأجنبي بلا راتب”.

*باحث متخصص في العلوم الاجتماعية والإنسانية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.