متى تبدأ نظرية الدولة؟

محمد الزاوي1 أغسطس 2022آخر تحديث : منذ 4 أشهر
محمد الزاوي
وجهة نظر
متى تبدأ نظرية الدولة؟

تمغربيت:

شرط نظرية الدولة، من وجهة نظر العروي، “وضع هدفها داخل نطاقها المحدد”، تحتها لا فوقها. والذي يفعل العكس يخرج عن نطاق الدولة…يتكلم ما قبل نظريتها (“لا يستقيم البحث إلا إذا وضعناه (الهدف) داخل النطاق المحدد للدولة”) (عبد الله العروي، مفهوم الدولة ص 11). ويبقى دور الفيلسوف أن يكتشف نظرية الدولة، وأن يبحث عن أهدافها داخلها لا خارجها…وذلك “غير التفكير في مشاكلها” (“إن التفكير في مشاكل الدولة شيء…وتقديم نظرية في الدولة شيء ثان. ما أكثر من فكر…وما أقل من نظر في الموضع”) (نفسه، ص 11).

ما قبل نظرية الدولة، مجال لمقالتين:

– “مقالة الذين ينظرون إلى الدولة كوسيلة لنيل الدرجات في الآخرة”…حيث تكون الدولة وسيلة لنيل الدرجات في الآخرة…تأتي بعد الأخلاق…وسيلة للبلاغ (تبليغ الدعوة إلى الفرد)…”الدولة الفاضلة هي التي تربي الفرد على الاستغناء عنها وتوجهه لخدمة ما هو أسمى منها”. (نفسه، ص 12-13).

يقول العروي: “لقد تعددت في التاريخ أشكال هذه المقالة…من الرواقيين إلى أنصار القانون الطبيعي، من أغسطين إلى فقهاء الإسلام”. (نفسه، ص 13)

المفالة الثانية:

– “مقالة الذين ينظرون إلى الدولة كوسيلة لتحقيق غايات الإنسان الكبرى: المعرفة والرفاهية والسعادة”/ حيث…غاية الإنسان هي المعرفة والرفاهية والسعادة، ليس هناك أي تناقض بين الدولة الطبيعية وبين المجتمع أو الفرد، وكل تناقض بينهما فهو ناتج عن سبب غير طبيعي. فلا تكون الدولة “الاستبدادية الظالمة” معبرة عن العادي الطبيعي، وإنما تكون شذوذا عن الطبيعة، الدولة الطبيعية تنتج التعاون والكسب والعلم والسلم، عندما تتقدم الإنسانية تنتفي الحاجة إلى الدولة، الدولة الفاسدة مؤامرة ضد الإنسانية. (نفسه، ص 14-15)
يقول العروي: “هذه مقالة للسوفسطائيين، والطبيعيين الرومان، وبعض فلاسفة الإسلام كإخوان الصفا، وبعض فلاسفة القرن 18 الأوروبي، وليبيراليي القرن الماضي…”. (نفسه، ص 15)

المشترك بين المقالتين بحثهما عن هدفٍ للدولة “خارج نطاقها المحدد”، ينفيان التناقض داخل وجدان الفرد وداخل المجتمع، إذا ناقضتهما الدولة أصبحت فاسدة. وبالمقابل، يقولان بتناقض الدولة/ الفرد والمجتمع، يدعوان إلى تسخير الدولة لخدمة الفرد العاقل منغمسة في مجتمعه. (نفسه، ص 15)

هل لهاتين المقالتين تجليات معاصرة؟ الشيوعيون الفوضويون في الغرب، دعاة الخلافة في الشرق. لكل منهما طوباه الخاصة، المشاعة والخلافة وجهان لعملة واحدة. في الأولى، رفاهية، لا وجود لملكية خاصة، لا تفاوت إذن ولا ظلم ولا قهر، مصير الدولة الاضمحلال التلقائي (لينين، الدولة والثورة)، وكله بمرجعية إنسانية. في الثانية، عمارة الأرض واستخلاف مَن فيها، والآخرة أوْلى، “فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”.

الذين يريدون استبدال مضمون الدولة المغربية بقيمهم ومطالبهم الخاصة، قواعد الاجتماع بطوبى الوجدان، من “سلفيين” و”حداثويين”، يجرفهم التيار، تلتهمهم “ثقافة الأم” من جهة، و”ثقافة المدرسة” من جهة ثانية. يخضعون للتناوب حسب الحاجة، حسب أي قدم من قدمي الدولة يجب أن تتقدم إلى الأمام، قدم “التقليد” أم قدم “الحداثة”؟

اقترحوا أهدافا “خارج نطاق الدولة المحدد”، فأبت الدولة إلا أن تدخلهم في نطاقها، وتجعلهم جزءا من خطتها. كلامهم غير وممارستهم غير، طوباهم لا حدود لها وحيز ممارستهم أضيق مِن أن يعرفوه. (عبد الله العروي، من ديوان السياسة)

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.