مشروع التحديث المغربي: نموذج لنجاح دولة

رئيس التحرير12 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 8 أشهر
رئيس التحرير
وجهة نظر
مشروع التحديث المغربي: نموذج لنجاح دولة

تمغربيت:

محمد زاوي

هل مِن فهمٍ لقول عبد الله العروي “نجحت الدولة في مشروعها التحديثي، أما المجتمع فلا”؟.

لهذا القول معنى في المشروع الفكري للعروي، وبالضبط في كتابيه “من ديوان السياسة” و”استبانة”، حيث يبحث العروي عن جواب لسؤال: من أين تستمد الدولة المغربية قوة مشروعها التحديثي؟ ولو لم يعبر عن مراده بهذه الصيغة.

تستمد الدولة المغربية قوتها من قدمها وعراقتها في التاريخ، أسِّست قبل الحماية بقرون. واستمرت مع الحماية تنتظر الشرط المناسب لاستعادة المبادرة من جديد، أي استمرت كامنة تنتظر شرط ظهورها؛ هكذا يجيب عبد الله العروي على سؤاله. (راجع “استبانة” لعبد الله العروي)

الأساس الذي وضعه السعديون، هو ما بقي مستمرا حتى زمن العلويين (نفس المرجع)، فزاده هؤلاء تجذرا وتماسكا حسب شروطهم التاريخية. وانطلاقا من استجابتهم للتحديات التاريخية التي واجهتهم، وما تزال. (نظرية “التحدي والاستجابة” تعود للمؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي)

هذا الأساس هو ما يطلَق عليه “المخزن”. المخزن الذي وقع “الحماية” حفاظا على الوحدة، وواجه تحول الحماية إلى استعمار. وأنتج الحركة الوطنية وألهمها ووفر أساسها الإيديولوجي. وفاوض على الاستقلال وحققه بالكيفية المعروفة. ودبر مرحلة ما بعد الاستقلال، في علاقته بالمعارضة الداخلية، وفي علاقته بالأجنبي.

تجلى المخزن قديما، وما يزال، في الأسرة والزوايا ومؤسسة الشرفاء (راجع “من ديوان السياسة” لعبد الله العروي). و يتجلى، حديثا، في مؤسسات أخرى: المدرسة، البرلمان، الحكومة، القضاء، الأحزاب السياسية، جمعيات المجتمع المدني… إلخ. يتجلى في كل ذلك، دولة ومجتمعا.

ما حصل بعد الاستقلال هو أن الحركة الوطنية نسيت تاريخها، أو لعلها كانت تجهله. كانت تجهل أنها تكونت في أحشاء المخزن، وبثقافته (تلك التي بحثها العروي في كتابه “الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية.. 1830-1912”)، وأنها كانت تتحرك بإشارة منه؛ نسيت أنها كانت “مخزنا” في المجتمع، فأرادت أن تغير طبيعتها.

عوض أن تبحث الحركة الوطنية عن توافق بين مخزنين: “مخزن الدولة” و”مخزن المجتمع”، لجأت إلى أسلوب الصراع مع أصلها، مخزن الدولة. ولأن هذا هو الأصل، فقد كان الأقوى في الدولة والمجتمع معا.

من يفتقر للاستراتيجية يجد نفسه في استراتيجية الآخر؛ هذا ما أغفلته معارضة ما بعد الاستقلال. فوجد كثير من رموزها أنفسهم في استراتيجية الأجنبي. وكثير منهم صادقون ظنوا أنهم يحسنون صنعا، وأنهم رموز في العالم أكثر مما هم رموز في الوطن!!

كان عليهم أن يعوا منذ البداية أن استراتيجية “المخزن” أولى. وأنها الأسلم للوطن، ولو بالبحث عن سبل للتوافق هنا وهناك، بدل “الصراع التناحري” الذي أفضى إلى بعض التأخر، طيلة أربعة عقود تقريبا.

هذا ما يفسر نجاح رموز النضال التوافقي، كعلال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي وعبد الإله بنكيران، وفشل أخرى معروفة. السبب هو الانتماء إلى “مخزن المجتمع”، والبحث عن توافق مع “مخزن الدولة”. وكل ابتعاد عن هذا الخط، يسقط صاحبه في الخطأ. بما في ذلك أخطاء صدرت عن الأسماء المذكورة (علال، بوعبيد، اليوسفي، بنكيران).

كل التجارب الناجحة كُتِب لها ذلك لأنها انخرطت بكل تواضع في مشروع الدولة التحديثي، ورفضت العمل على التحديث خارج هذا المشروع. إنها أضعف من الدولة، فعلمت أن كل بحث عن قوة موازية يعني بالضرورة السقوط في استراتيجية الأجنبي.

استمرار مؤسسة المخزن، في الدولة والمجتمع معا، هو ما يفسر قول العروي ب “نجاح الدولة في مشروعها التحديثي”. حقيقة جهلها مناضلون، فضلوا الطريق.

وما أشبه اليوم بالبارحة! إلا أن اليوم أشد فظاعة. إذ تغيب القيادة النظرية في المجتمع، أو لعلها نادرة جدا. وهذه قرينة أخرى على نجاح الدولة في مشروعها التحديثي، إذ لها من الوعي ما يغيب عن قيادات المجتمع، فبقيت هذه عالة على الدولة؛ إما تنفذ أمر الدولة، وهذا أسلم؛ وإما تشغّب على الدولة، وهذا سقوط في حضن الأجنبي بدون وعي من صاحبه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.