معركة الهري: المقاومة تقهر الاستعمار الفرنسي -4-

مصطفى البختي25 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 7 أشهر
مصطفى البختي
وجهة نظر
معركة الهري: المقاومة تقهر الاستعمار الفرنسي -4-

 

تمغربيت:

مصطفى البختي*

هزيمة مذلة:

لقد أظهرت الحرب هزيمة مذلة للجيش الفرنسي بعد مقتل الكثير من الجنود والضباط. مما جعل القواد يطلبون مزيدا من التعزيزات والوحدات الإضافية. لكن موحى أوحمو لم يترك لهم فرصة الانسحاب، فتتبع قواتهم الفارة، فحاصرها من كل النواحي إلى أن فتك بالكولونيل لاڤيردور عند نقطة بوزال.

أمام هذا الوضع اضطر باقي جنوده إلى الإذعان والاستسلام لقائد قبائل زيان. بعد أن تمكن المقاوم موحى أوحمو من القضاء على نصف القوات الغازية المعتدية من بينهم 33 قتيلا من الضباط و650 قتيل من الجنود و176 جريح. وغنم المقاومون الأمازيغ كثيرا من العتاد العسكري الحديث. فحصلوا على 3 مدافع كبيرة و10 مدافع رشاشة وعدد كبير من البنادق وعشرات الخيول المحملة بالذخيرة الحربية والمؤن

عوامل النجاح:

إن اللحمة الوطنية والتنسيق الجيد والروح القتالية العالية والإيمان بالقضية، كانت عوامل الحسم الأبرز التي منحت النصر للمقاومة المغربية. وهكذا تكبد المستعمر الفرنسي بمجموعاته الحربية الثلاثة أشد الخسائر؛ وتم القضاء على الكولونيل لافيردور الذي لقي حتفه في المعركة الخالدة في بطولات تاريخ المغرب المجيد.

شهادة ليوطي:

وحول المعركة قال المارشال ليوطي في برقيته لحكومته: “لم يسبق لفرنسا في تاريخها العسكري أن منيت بمثل هذا التدمير في قوة هامة من قواتها، وخسرت مثل هذا العدد من ضباطها، وأضاعت مثل هذا القدر الكبير من عتادها”.
(المؤرخ محمد بلحسن: “معركة الهري [13 نونبر 1914] ” صفحات من الجهاد الوطني)

شهادة محمد المختار السوسي:

أما المؤرِّخ محمد المختار السوسي في كتابه “المعسول”. فيستعرض أبرز الخسائر التي مني بها الفرنسيون خلال معركة الهري، قائلًا:

“ومن أكبر الوقائع في الحروب وقعة الهري التي استوصل (قتل) فيها رؤساء جنود الفرنسيين أكثر من 20 فيهم الكولونيلات والقبطانات والفسيانات. وتفصيلها أن العسكر الفرنسي تقدم بقوة عظيمة وتوغّل في تلك الجبال إلى أن وصل الهري المذكور. فانقضَّ عليه عسكر زيان (بزعامة موحا أو حمو الزياني) ومن معهم وسدوا عليهم المسالك التي سلكوها وجعلوا يقتلونهم كيف يشاؤون ويأسرون إلى أن أفنوهم”. (نون بوست؛ معركة الهري.. أول هزيمة تتكبدها فرنسا في شمال أفريقيا).

شهادة الجنرال أوغستين:

وحسب الجنرال الفرنسي “أوغستين غيوم”:
“في12 نوفمبر 1914، كانت خمسة شهور قد انقضت على استقرارنا في مدينة خنيفرة، اكتسب موحا أوحمو الزياني ثقة كبيرة بسبب عدم تحركنا والمفاوضات الأولى التي فتحت معه. فعسكر بمخيمه على بعد 15 كيلومترا من مدينة خنيفرة، على مشارف قرية تسمى الهري. وتحديدا في حوض يعبر نهر شبوكة، أحد روافد نهر سرو. قرر “لافردور” القائد العسكري لمدينة خنيفرة إزالة معسكر موحى أوحمو الزياني، رغم الأوامر الصارمة التي كانت تمنع أي خروج من المدينة.
وفي الساعة الثانية والنصف ليلا، تحركت القافلة العسكرية، وكانت تضم 43 ضابطا و1230 جنديا، لتعود ظهرا أولى قوافل المصابين الذين تمكن منهم المتمردون. وكان على بضع مئات من الجنود المرهقين أن يعودوا أدراجهم وحيدين إلى خنيفرة حاملين أنباء الكارثة التي حلت بهم”.
ويواصل بالقول “فمن أصل 43 ضابطا و1232 جنديا، خسر الرتل العسكري 33 ضابطا و590 جنديا، كلهم قتلوا، و176 جنديا إلى جانب 5 ضباط جرحوا. ومن أصل 43 ضابطا الذين شاركوا في العملية، 5 فقط عادوا سالمين، من بينهم 4 فرسان. لم تحصل مثل هذه الخسارة الكارثية بقواتنا من قبل في شمال أفريقيا، لقد كان نصرا كبيرا للزيانيين”.
(Général A.Guillaume, Les berbères marocains et la pacification de l’Atlas central, (1912-1933), Paris, 1946.).

شهادة المؤرخ أحمد المنصوري:

وصف المؤرخ أحمد المنصوري، ملحمة معركة الهري للمقاومة المغربية بقيادة أمغار موحى أوحمو، كما يلي: “فهبطوا من أطلسهم وعلموا مواقع المدافع المنصوبة التي تحمي الجيش. ففتكوا برجالها، وها هي الحملة التي روعت الحُلّة وغزت خيامها تجد المنايا شاخصة خلفها وأمامها. فتاه الجيش في مجاهل البرية تلتقطه أسنة الفرسان البربرية”.
وأردف قائلا: “واشتهر على ألسنة الجواسيس، التي تأتي من ناحية المعسكر، أن خسائر المعسكر الفرنسي تقدر بأكثر من ثلاثة آلاف جندي وضابط. ويقولون إن الضباط تجاوزوا المئة، أما الخسائر المادية من المعدات الحربية والمدافع، فإن كل ما خرجوا به لم يرجع منه شيء ..”.

دروس وعبر:

فالمقاومة المغربية في معركة الهري الخالدة رسمت ملحمة الصمود في القتال وقهرت قوات المستعمر الفرنسي. وهبت قبائل مجاورة لمساندتهم في العمل القتالي البطولي ضد قوات المحتل الذي حاول التقليل من خسائره.

في هذا الصدد، ومن أجل تفادي الكارثة، لجأ العدو إلى الانسحاب تكتيكيا في انتظار وصول التعزيزات. ولكن قوات موحى أوحمو الزياني لاحقتهم، مُلحِقة بهم هزيمة نكراء. وتفاقم خسائرهم في 16 نونبر 1914، بالتصدي رفقة ثلاثة آلاف مقاوم، لزحف كتيبة فرنسية بقيادة العقيد “دوكليسيس”. جاءت من تادلة لنجدة وإغاثة ما تبقى من الجنود المقيمين بخنيفرة

وبعد الملحمة التاريخية في المقاومة والصمود التي جسّدها الانتصار في معركة الهري. انتقل القائد المغربي موحى أوحمو الزياني إلى منطقة “تاوجكالت”، حيث عسكر بقواته استعدادا لمواصلة القتال. واستمر صمود هذا المقاوم إلى غاية العام 1921. وفي هذا التاريخ، اختاره الله إلى جواره، حيث أنهت حياته رصاصة أطلقها أحد أبنائه في اتجاهه عن طريق الخطأ. وذلك خلال معركة أزلاك نتزمورت جرت يوم 27 مارس/آذار، فتوفي عن سن 74 عاما

وبهذا تشكل معركة “الهري” لحظة تاريخية في مسلسل الكفاح الوطني المجيد. وتجسيدا لأروع مواقف البطولة والشهامة في مواجهة الوجود الإستعماري.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.