مفهوم “الأمة” في فكر “إخوان المغرب”..

محمد الزاوي28 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 7 أشهر
محمد الزاوي
وجهة نظر
مفهوم “الأمة” في فكر “إخوان المغرب”..

تمغربيت:

محمد زاوي*

الفكر الوطني لا ينبثق من فراغ، فإما أن يتأسس على مصلحة موضوعية، وإما على وعي علمي. وهنا، نطرح السؤال: من أين تستمد الحركة الإسلامية المغربية فكرها الوطني؟

الجذور البراغماتية:

مصلحيا، تأسست الحركة الإسلامية من أبناء الطبقة الوسطى، ذات الخصائص المعروفة: التلون، الانتهازية، رِجل هنا ورجل هناك، تخاف الهاوية الاجتماعية، وتقول هل من مزيد. ليس مستبعدا، إذن، أن تحيد الحركة الإسلامية عن الخط الوطني بين الفينة والأخرى، ليس مستبعدا أن تسقط في شراك الاستعمار، مهما كانت نوايا بعض قياداتها حسنة.

الإخوان والوطنية المزيفة:

علميا، ليس للحركة الإسلامية القدرة، ولو في حدودها الدنيا، لتكون واعية بقضايا الوطن في عمقها، أي وعيا سديدا يركّب بين التاريخي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، وفق منهج معرفي واضح وناجع.

وهكذا، فإن بعض معالم الفكر الوطني، لدى “إخوان المغرب”، أي لدى بعض قياداتهم أو في بعض نصوصهم المؤسسة، هي مُمْلاة من:

– انتهازية أدى إليها الخوف من الأجهزة المادية للدولة، والضعف أمام “يدها الصارمة”، بتعبير أحد أبرز رموز الإسلاميين، عبد السلام ياسين (في كتابه “إمامة الأمة”).

– بعض الفلتات مِن طبقة البورجوازية المغربية، تجار فاس أو ما شابه، ومعلوم أن الأساس الاجتماعي للفكر الوطني كان هو هذه البورجوازية التي تحركت بتنسيق مع السلطان، بل بأمر منه.

– إحساس تاريخي سابق على الوعي التاريخي، يصيب أحيانا أو نادرا، وقد يخطئ. ويبقى هذا الإحساس قاصرا في حاجة إلى وعي لا يستطيعه “إخوان المغرب”، ولا قابلية إليه في صفوفهم.

ضبابية الفكر الوطني عند الإخوان:

كلها عوامل تجعل الفكر الوطني، لدى “إخوان المغرب”، مضبَّبا ليس واضحا، مؤقتا ليس دائما، مضطربا ليس مستقرا… فتأخذهم “فكرة الأمة” وقد وجدت في عقولهم اضطراب الوعي بالوطن، وفي قلوبهم اضطراب التعلق به.

أدناهم في الارتباط ب”فكرة الأمة” المستأنس بها إيديولوجيا في المعارك الداخلية، وأعلاهم في ذلك مَن يجعلها أساس “هرمه السياسي”.

على هامش مفهوم “الأمة”:

“الأمة” مصطلح أخلاقي مثالي، أكثر منه مصطلح سياسي واقعي؛ وعكسه الدولة، مصطلح سياسي واقعي. مَن تعوزه النظرية، ولا حظ له في مصلحة، ولا إحساس له بالتاريخ؛ لا محالة، يعوّض الواضح الذي ليس في مصلحته، بالغامض يجعله في مصلحته. فيتحول الوطن، حتى عند “الإيمان” به وبقضاياه، إلى مرحلة عبور، نحو الأمة (عبّر حسن الترابي عن هذا الخط بقوله: “الوحدة غاية، والفاعلية القطرية طريق لازم”).

سيتحجج “إخوان المغرب” بأنهم راجعوا قناعاتهم الأولى، وأنهم جعلوا للوطن حيزا كبيرا في تفكيرهم وأدبياتهم. مظاهر وخطابات لا ننكرها. من باب ما نرى، لا ما نجتهد في تفسيره (التفسير موجود أعلاه، فانتبِه). إلا أننا نتساءل ونسائل إسلاميي المغرب:

– لماذا لم يتخلصوا إلى حدود الساعة من التاريخ المأساوي ل “إخوان المشرق”. كان آخرها تورطهم في سوريا، وتدخل الجيش لتنحيتهم عن الحكم في مصر؟ (مظاهرات “رابعة”/ التفاعل الهستيري مع مبادرة الرئيس التونسي بتجميد البرلمان…الخ).

– لماذا ما زالوا على ارتباط بعناصر من “إخوان المشرق”، بل يعتبرونها زعامات روحية وفكرية، وقد ظهر تورطها في “فتنة الربيع”؟ (علاقات قائمة تحت قناع العلاقات العلمية والقضايا الإسلامية المشتركة).

– لماذا لم يشذوا عن الإجماع الإخواني في عدد من القضايا الدولية: نكسة 1967/ القضية الفلسطينية/ أفغانستان/ فتنة “الربيع”/ قضية الإيغور/ التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا… الخ؟.

– ولماذا لا يقولون صراحة: الفكر الإخواني لا يمثلنا ولا نمثله ولا علاقة لنا، ولو كانت أدبية أو رمزية، بقياداته ومنظريه. ويكتفون بإعلان الاستقلالية التنظيمي فحسب؟

– ثم لماذا لا يقولون صراحة: قضية “إخوان المشرق” إسلام الإخوان، وقضيتنا إسلام الوطن؟.

– ولماذا لم يسبق لهم أن أعلنوا براءتهم من الأنشطة الدولية للإخوان، كما لم يسبق لهم أن قاطعوها؟.

– وأخيرا لماذا لا ينهون شبابهم عن قراءة كتب “إخوان المشرق”؟ ولماذا لا يوضحون لقراء تلك الكتب سياقاتها وأخطاءها على الأقل؟.

اضطراب المفهوم:

اكتفيت هنا بالقرائن العامة، وإلا فالقرائن الجزئية التفصيلية أكثر إحراجا. وسيأتي وقت عرضها. كلها قرائن تدل على قَدم في طنجة، وأخرى في جاكارتا. كما تدل على اضطراب مفهوم الوطن بمصطلح “الأمة”، في فهم “الإخوان”.

لا غرابة، إذن، أن تسيطر “الأمة” على عقول أغلب المنتسبين ل”الإخوان”، فتستحيل “الأمة المتخيلة” عامل تفكيك ل”الأمة الفعلية”. هذا، بالضبط، ما كانوا يريدونه بين مصر والخليج، بين مصر والشام، بين مصر وليبيا (وبالتالي المغرب العربي). بين فلسطين والخليج، والآن: بين فلسطين والمغرب…إلخ.

تتباعد دول الأمة، عوض أن تتقارب. يضحي “الإخوان” ب”أمة فعلية” من أجل أخرى “متخيلة” تعبّر في الواقع عن مصالح الإمبريالية. فتصبح “الأمة” قناعا للعولمة، تُعَولِم كل القضايا والقواعد والضوابط لمصلحة الأجنبي.

هذه ليست “أمة الإسلام”، بل “أمة الاستعمار”!!

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.