مفهوم ”المعادلة الصفرية” في النزاعات والتنافس بين الدول

حميد حماد24 ديسمبر 2021آخر تحديث : منذ 11 شهر
المعادلة الصفرية

تمغربيت: 

حميد حماد -الرباط-

مفهوم ”المعادلة الصفرية” في النزاعات الاقليمية او الدولية تعني ”رابح كل شيء أو خاسر كل شيء”، وهاته المعادلة هي السبب في اندلاع الحروب لان طرفا ما اراد كل شيء. هذه المعادلة، والتي خاض فيها البعض في مسائل السياسية والاستراتيجية، يبدو أنها لم تجد مكانا في التجارة الدولية حيث يقال ”التجارة ليست معادلة مجموعها صفر” بمعنى ان الخاسر ضرورة ليكون هناك رابح ومجموع الربح من جهة والخاسر في الجهة المقابلة هي الصفر. التجارة والاقتصاد عموما، وبقدر ما يزيد او يخسر طرف يفتح له مجالات جديدة للتموقع. وإذا وقع اتفاق يتم تقسيم المنافع وتوزيع الأدوار، وهذا ما تفعله فرنسا وألمانيا اللتان، ولولا هاته المعادلة لما كان الاتحاد الاوربي ليكون. يسمونها التضامن الاوربي او ”المكتسب الجماعي” Acquis communautaire.

الجزائر والمغرب: إمكانية معادلة غير صفرية ممكنة.

إن الحل السياسي الذي تطرق اليه مجلس الامن الدولي في قراراه الأخير رقم 2602 يمكن ان يدخل في خانة ‘المعادلة غير الصفرية’ وهو دليل على ان مجلس الامن الدولي (الامريكيون تحديدا) توصلوا الى أن العلاقات بين المغرب والجزائر يمكن ان تخرج من مساحة مواجهة ممكنة بجلوس الجزائر في الموائد المستديرة وتخرج اوراقها وأهدافها ومصالحها الاقليمية بشكل واضح.

في هذا الصدد، تبقى مقاربة المغرب متعددة. منها ما هو سياسي وهو مقترح الحكم الذاتي ومنها ما هو استراتيجي من خلال تنويع شراكاته حتى مع روسيا والصين مع الاحتفاظ بمكانة الشركاء التقليديين (واشنطن وباريس) مع تعميق العلاقات مع بريطانيا التي تلعب دورا محوريا في الأمن الاورواطلسي. ومنها، أيضا، ما هو عسكري وأمني لأنه في تاريخ النزاعات الدولية فإن الحروب تندلع عندما يشعر طرف ما بأنه سيربح كل شيء ولا يخسر أي شيء.

ولمنع الجزائر من مغامرة إقليمية قد تدفعها إلى حرب تدميرية، كان لابد على المغرب من تعزيز ترسانته العسكرية الجوية لأنها نقطة قوة كبيرة في جعبته مع تنويع منظومات الدفاع الجوي لردع اي توجه عدائي ميداني من النظام في الجزائر. مع التأكيد على أن توجهات المغرب دفاعية وهي تدخل في نطاق الردع وليس الهجوم.

ومن المعلوم أن الدول المسؤولة عن أمن أوربا تعرف تعرف حساسية المنطقة وخطورة عدم استقرارها على أمن أوربا ومنطقة الساحل والصحراء معا. هذه الدول لن تقبل من النظام في الجزائر ان يتسبب في الحاق المنطقة ببعض مظاهر “التوحش” التي ضربت الشرق الاوسط وشرق أوربا، وحتى لا تكون خريطة المواجهة الروسية الاطلسية اوسع. ويبدو أن امريكا تريد التركيز على الصين وعلى شرق أوربا والنظام الجزائري يبدو انه يريد أشياء من واشنطن ويدفع بالمنطقة الى المجهول لجني ما ينتظر من واشنطن.

لقد شكل البيان الامريكي بتاريخ 23-11-2021 اجابة صادمة للجزائر بأنها لن تحصد اي شيء باستثناء بعض تقارير ”حقوق الانسان” تحت الطلب وضغوطا طفيفة على وزارة الخارجية ومحاولات اعتراض التعاون العسكري المغربي-الاسرائيلي-الامريكي دون نتيجة ملموسة ولن تجني ما تريده.

إن تهرب الجزائر من الحل السياسي واختباءها وراء نهج عقيم هو تعبير صارخ عن عدم تمكنها من اوراق سياسية وعدم اتقانها فن السياسة وبقاءها في مربع الخطاب الايديولوجي العقيم. وبهاته الطريقة تبقي المنطقة بدون انفراجة نهائية حاسمة الى حين تغير الوضع الدولي لصالحها. وهذا يسمى ”نهاية المشروع المغاربي” لانه الهروب من المسؤولية التاريخية عن هاته المنطقة واستقرارها.

قضية الصحراء المغربية هي نزاع اقليمي جزائري ضد المغرب.

ظل خطاب الجزائر الرسمي على لسان الدبلوماسية الجزائرية والرئاسة الجزائرية ورئاسة اركان الجيش في الجزائر (مؤسسة الحكم الفعلي) والإعلام الرسمي في الجزائر يدل على ان النظام في الجزائر عقيدته عدائية اتجاه المغرب (وليس فقط اتجاه نظام الحكم في المغرب كما يروج محاولا التلاعب بالعقول السليمة) ويرى النظام في الجزائر نفسه داخليا وإقليميا وافريقيا ودوليا متواجدا بوجود ملف الصحراء المغربية.

والسؤال المطروح؟

عندما ينتهي هذا الملف ماذا سيفعل النظام الجزائري؟

هل سيقوم بتنمية الجزائر بمقدرات الشعب الجزائري؟

لم يفعلها منذ الستينات والنتيجة مجتمع فيه من الامية وقلة المواد الغذائية والفقر في البنيات التحتية (خاصة الجنوب الغني بالثروات الطاقية والمعدنية) ورغبة الشباب في مغادرة البلاد وانهيار المنظومة الصحية وارتفاع بطالة الشباب الجزائري. أضاع الفرص تلو الفرص. هل سيقبل المحاسبة السياسية ويقبل تسليم مفاتيح الحكم الى مدنيين؟

لا. الحل هو افتعال الازمات. حسب تصوره الضيق.

العديد والعديد من وسائل الإعلام الدولية (لا علاقة لها بالمغرب) في امريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها تتخوف على انزلاق الأمور الى عشرية سوداء جديدة وينتظرون من القيادة الجزائرية تنظيم اصلاحات عميقة في الدولة والاقتصاد. النظام الجزائري أفشل الجزائر وافشل نخبها بمنع حرية التعبير والتعددية السياسية الحقيقية وقهر المعارضة، في الوقت الذي وُجدت فيه المعارضة لتوزيع الزمن السياسي والتنبه الى ”غير المنتظر” وتأطير جزء من الشارع داخل مؤسسات وبعيدا عن الشعبوية والطوبوية.

ويمكن القول بأن ”المعادلة الصفرية” بين المغرب والجزائر سببها المركزي موجود داخل الجزائر وهو نظام الحكم العسكري، وهي نمتذج الحكم التي أنتجت لنا النازية في المانيا ونموذج ”ستالين” في روسيا (مزقت ”الاتحاد السوفياتي” حتى اصبح الاتحاد الروسي محاطا بالحلف الاطلسي).

ألا يقرأ مستشارو النظام في الجزائر الرصيد الهائل للفيلسوفة الالمانية ”حانا آرندت” حول الشمولية و ”أزمات الجمهوريات” التي يحاول النظام الجزائري اظهارها النظام الوحيد الممكن في انظمة الحكم بينما يتودد الى اسبانيا (ملكية) وبريطانيا (ملكية). لماذا لم تلتزم لا بريطانيا ولا اسبانيا بجمهورية افلاطون؟ هل قصد أفلاطون شكل النظام ام محتواه. محتواه. والدليل ان العديد من جمهوريات في سوريا والعراق والجزائر تحولت الى ملكيات استبدادية لا تسمح بالتعددية السياسية وتعتبر المعارضة تقويضا للدولة.

الانظمة العسكرية لا ترضى بالعيش في ظل الاستقرار ولا تقبل السياسة. تجر دائما المناطق الى الاستقطاب والرغبة في السيطرة ولو بالتفاهة والتمييع وتكرار خطاب ”القوة”. لذلك، تعيش على العواطف والخطاب الثوري التحريري. وتستثمر في الاحداث التاريخية وتحاول تاليفها لتدوم وتدوم معها المخيلة التي تقول ان ”النظام العسكري هو الحل”.

ألم يحن زمن التحرر من الشعبوية والحكم المبني على الذاكرة وانتشار ”المؤامرة” والانسلاخ من ضرورة تمثيل الشعب وخدمة اللوبيات المرتبطة بشبكات السلاح (تجار الحروب)؟

الجواب في الجزائر.

من يلوم المغرب عن غير فهم اقول له ان المغرب له نهج سياسي عندما يعزز امكاناته العسكرية فانه يعبر عن عقيدة دفاعية وعن ارسال رسائل الابتعاد عن مسارات تؤدي الى احساس الطرف الآخر بإمكانية تحقيق ”المعادلة الصفرية”.

لماذامن أسس الانظمة الديمقراطية إشراف السياسي على مؤسسة الجيش وتبعية الثاني للأول؟

لان العالم ضاق ذرعا بالحكم العسكري وأدى اثمانا باهضة على مر التاريخ.

ألا يقرأ مستشارو النظام في الجزائر كتب ”فرنسيس فوكوياما” في امريكا حول النظام الديمقراطي؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.