ملحمة أنوال: عندما جرح المغاربة كبرياء المستعمر الإسباني

مصطفى البختي15 يناير 2022آخر تحديث : منذ 11 شهر
مصطفى البختي
مجتمع
ملحمة أنوال: عندما جرح المغاربة كبرياء المستعمر الإسباني

تمغربيت:

مصطفى البختي*

 إن اهتمام الإعلام الإسباني المتزايد بالتقدم الحاصل بالمغرب؛ وشراكاته الاستراتيجية مع القوى الفاعلة على الصعيد الدولي؛ يطبعه القلق والتوجس من تحول المغرب إلى قوة إقليمية صاعدة. هذا القلق، المشوب بالحذر، تعيد إلى الأذهان ملحمة أنوال وتجذرها في المخيال الإسباني، والذي يعتبر بأن أي تطور للمغرب اقتصاديا أو عسكريا سيرخي بآثاره العكسية على وضع إسبانيا وعلى موازين القوى في المنطقة.

لقد ظلت معركة أنوال جرحا غائرا في اللاشعور الجماعي الإسباني، لم يمحه تغير الأنظمة وتعاقب الأجيال.  وحسب المؤرخ فيسينتي موغا فإن “المؤسسات العسكرية الإسبانية ما زالت تتذكر أنوال كإهانة”، وتعتبرها أكبر هزيمة مُني بها الإسبان في تاريخهم الاستعماري والعسكري.

من جهته، أشار مانويل ليجوينتشي إلى أن معركة أنوال هي “أسوأ حرب، في أسوأ وقت، في أسوأ مكان في العالم”. وقد بلغ قتلى الإسبان في هذه المعركة حوالي 15 ألف مقاتل بينهم قادة كبار، على رأسهم الجنرال سيلفتسري، والذي قيل بأنه انتحر خوفاً من الشماتة والعار، وهذا بجانب آلاف الجرحى، ومئات من الأسرى، إضافة إلى الخسائر المالية الضخمة التي تكبدتها الخزينة الإسبانية.

لقد قاد محمد بن عبد الكريم الخطابي المعركة بتكتيك عسكري فريد؛ حيث قامت قوات المقاومة الريفية بالهجوم على القوات الإسبانية من كل اتجاه، فأفقدها عنصر المفاجأة توازنها واستعدادها وقطع منظومة الضبط والربط بين الجنود الإسبان وقيادته العسكرية.

 وإلى جانب هذا الهجوم المركز، اعتمد محمد بن عبد الكريم الخطابي على استراتيجية حرب العصابات بوجود عدد من جنود المقاومة في مواضع يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الإسبان الفارين من ساحة المعركة. فانتشرت الفوضى والذعر بين القوات الاسبانية؛ التي انطلقت هاربة في طريق الموت الذي بدأ في إيغريبين وانتهى في جبل عروي. فأصبح يطلق على الإسبان أصحاب “السراويل المرقعة” (بورقعة) أو “أكلة الضفادع”.

كان الجنرال سلفيستر يعتبر بأن المقاومة بالريف المغربي لن تستطيع مواجهة جيشه المكون من 24 ألف جندي بعتادهم الضخم. هذا الغرور الذي كان يعيشه الإسبان؛ تعكسه شهادة المؤرخ برنابي لوبيز والذي قال بأن “المغرب كان لا شيئا بالنسبة لإسبانيا”.

لقد نتج عن هزيمة الجيش الإسباني، على ذلك النحو الشنيع، حدوث أزمات سياسية عميقة في الداخل الإسباني، ووقوع فجوة كبرى بين قادة الجيش ورجال السياسة بإسبانيـا التي عاشت سلسلة من التشنجات والمآسي. جسدتها تداعيات معركة أنوال، وغيرت ملامح مشهدها السياسي والعسكري بشكل بالغ، وأدت إلى سقوط الملكية في شخص ألفونسو الثالث عشر باعتباره أحد المسؤولين الرئيسيين عن الكارثة في البلاد سنة 1926؛ مما تسبب في انقلاب ميغيل بريمو دي ريفيرا؛ واشتعال حرب أهلية ميزت مسار عقدين مأساويين في إسبانيا.

بعد أن تبخر حلم الإمبراطورية الإسبانية الضائع، وهي الإمبراطورية التي لا يمكن تصورها بدون ممتلكات استعمارية، أصبحت إسبانيا مجرد كيان استعمار فاشل فضحته ملحمة أنوال، وهي الملحمة التي لم يستسغها الإسبان رغم مرور قرابة القرن على هذه المعركة الخالدة والتي يجب على الإعلام المغربي تناولها بمزيد من الحماسة والرمزية التي تستحقها.

*باحث في قضية الصحراء المغربية

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.