من أسس السيادة الدينية في المغرب.. لا إمام إلا إمام الدولة..

محمد الزاوي13 فبراير 2022آخر تحديث : منذ 10 أشهر
محمد الزاوي
وجهة نظر
من أسس السيادة الدينية في المغرب.. لا إمام إلا إمام الدولة..

تمغربيت:

بقلم: محمد الزاوي 

1-توطئة:

يحتل الإمام في “نظام الإسلام” مكانة كبيرة، وله في مجتمع المسلمين ودولتهم أدوار لا يستهان بها. وباستقراء كتب “الأثر”، سنجد من تفاسير القرآن ومتون وشروح السنن وأقوال أهل العلم والدعوة ما يدل على مكانته الكبيرة في “نظام الإسلام”.

أما إذا حل الإسلام ببلد، فإنه يستوعب بنظامه أهل هذا البلد، دون استبعاد أو نفي لعرف يوافق شرع الله، ويملأ منطقة “العفو/ الفراغ التشريعي”. وكذلك، فلما حلّ نظام “الإمامة” بأرض المغرب، فقد حافظ على أصوله وما من أجله كان في بيئته الأولى، مضيفا إليها بعض حاجات الناس وما يتوسمونه في الإمام، دون أن يخالف شريعة الإسلام في فروع أو أصول.

وهكذا، فقد كان الإمام في المغرب، هو:

2-الإمام في الصلاة:

لا تصح جماعة إلا بإمام، ولا إمام يتقدم للصلاة بالناس إلا بشروط.

وتحددت شروط الإمام، في الشريعة الإسلامية، بموجب أدلتها. ومن ذلك قول الرسول (ص): “إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم” (رواه أحمد ومسلم والنسائي)، وقوله (ص): “يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنّا” (رواه مسلم).

وبهذا التزم المغاربة، فقدّموا للإمامة حفظة كتاب الله والعالمين بالمعلوم من الدين بالضرورة، وأسسوا لتحقق ذلك الغرض دور القرآن، أو ما كان يسمى –وما زال-“المحضرات”.

ولم يعد المغاربة أنفسهم، أو ما كان يعرف ب”الجماعة”، أوصياء بلا رقيب على إمامهم في الصلاة؛ بل وجدت وزارة “الأوقاف والشؤون الإسلامية” نفسها مضطرة إلى الأخذ بزمام تلك المهمة، درءا لمفاسدَ أورثتها ما يعرف ب”فترة الصحوة”.

كان واجبا على مؤسسة “الأوقاف والشؤون الإسلامية” أن تتدخل لإنهاء حالة الفوضى التي أربكت حسابات “المذهب والعقيدة والسلوك”، وبالتالي حسابات سيادة الدولة على شأنها الديني. فأصبح الإمام، بموجب العهد الجديد، وفي السياق الجديد، مسؤولا أمام “الأوقاف”، محكوما بتوجيهاتها وإرشاداتها.

3-الخطيب على المنابر:

فقد وجبت “الجمعة” على كل “مسلم بالغ عاقل مقيم بالبلد”، بموجب قول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون” (سورة الجمعة، الآية 9)، وبموجب قول الرسول (ص):”الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض” (أخرجه أبو داود).

وما يُشترط في من وجبت عليه الجمعة، يُشترط في “خطيب الجمعة وإمامها”، إلا ما تفرّد به من شروط الإمامة عن غيره من المصلين، ما بوأه مكانة “إمام وخطيب”. وواجب الخطيب لا يقتصر على تعليم الدين فحسب، بل يتعداه إلى: حفظ اختيارات البلد في ذلك التعليم، وخدمة البلد وأهله بتلك الاختيارات.

وليس الخطيب مطالبا، في ذلك، باستحضار مراقبة الله تعالى وحدها، بل إنه يكون مطالبا باستحضار رقابة الدولة تحتها، فهذه (أي الدولة) هي التي تعطي “الربوبية والعبودية” مفهومهما السديدين في واقع تاريخي بعينه.

4-المفتي في رواد المساجد:

والفتوى هي الجواب عن سؤال الناس فيما يتعلق بأمور دينهم ودنياهم، وهي إما تستخرَج على “مذهب البلد” من بطون الكتب الفقهية، للمعتاد من المعاملات والضروري من العبادات؛ وإما تستنبط بناء على النظر في الدليل والنازلة، على أصول ذات المذهب، إذا كان الإمام فقيها.

وشرط المفتي هو ما ذكره الإمام محيي الدين يحيى بن شرف الدين النووي في قوله: “شرط المفتي كونه مكلفا مسلما ثقة مأمونا متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة” (آداب الفتوى والمفتي والمستفتي). ونزيد، في شرط المغرب، أن يكون المفتي مخوّلا لمهمة الإفتاء بشكل رسمي، ملما بأصول المذهب المالكي وفروعه. وذلك، حتى لا تقع الفوضى، ويكثر المفتون والمجتهدون بغير شروط، وتتأذى السيادة الفقهية بأحكام من الفقه، لا منكرة، إلا أنها دخيلة.

وقد اعتاد المغاربة استفتاء أئمتهم بعد كل صلاة أو جمعة، فيفتيهم الإمام، أو يتوقف إلى أن يستشير من هو أكثر منه علما. وتبقى الفتوى، في المغرب، خاضعة لشرطين اثنين:

– تبعيتها لفتوى المجلس العلمي الأعلى في الأمور المستجدة، والتي قد يترتب عنها خلاف كبير، أو قد تكون مدخلا للفتنة.

– تبعيتها للمذهب المالكي، في الأصول والفروع والقواعد والمقاصد، وكله في كتب المالكية موجود، وعلى ألسنة فقهائها الأقدمين والمعاصرين رائج.

5-المصلح بين المتخاصمين:

يقول الله تعالى: “إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون” (سورة الحجرات، الآية 10)، وقال الرسول (ص): “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين” (رواه أبو داود والترمذي).

وهكذا، فإن الصلح بين الناس مما يستحب لعامة الناس ويُطلَب منهم، فكيف بأئمتهم وخطبائهم؟! فقد دأب الأئمة، ولو بتراجع ظاهر على مرّ السنين، على الإصلاح بين الناس داخل المساجد، والتخفيف على المحاكم القضائية في كثير من المصالح المتنازع حولها.

ولطالما كان الأئمة في المغرب، وما زالوا، يصلحون ذات البين، ويتدخلون بين المتخاصمين بالحسنى، وينصفون كل ذي مصلحة في المنازعات الصغرى والبسيطة. ولا تمنعهم “الأوقاف” من ذلك، بل تدعوهم إلى القيام به في حدود اختصاصهم، أي في حدود النصح والوعظ وإظهار مطلوب الدين في المسائل.

6-الواعظ في المجالس:

يقول تعالى: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” (سورة النحل، الآية 125).

فالوعظ ديدن الأئمة والخطباء في مجالسهم، وكذا إذا دعوا إلى المناسبات الاجتماعية، أو حضروا المناسبات الدينية. خضعت الظاهرة لعدة تحولات في الخطاب والممارسة، ولكنها ما زالت حاضرة بين المغاربة، يستلذونها ويطلبونها في مجالسهم.

وكما تخضِع “الأوقاف” المساجد لرقابتها “المذهبية والعقدية والسلوكية”، و”السياسية” أيضا، وجب أن تسعى إلى ذلك فيما يتعلق بالمناسبات الدينية والاجتماعية المقامة في منازل المغاربة. وذلك، لأن بعض المتسللين يقصدونها بغرض الوعظ، بعد أن لفظتهم “الخصوصية المغربية” في المساجد، فيسممون العقول بالأقوال والأحكام الدخيلة، بل بالمواقف السياسية الدخيلة أيضا.

7-المحيي للمحافل الدينية والاجتماعية:

فالإمام يؤم العيدين، ويحيي محافل استقبال الحجاج، والأعراس والعقائق، وبعض المناسبات الخاصة بالقرى والبوادي (ما يسمى: “اللّمّات”)، وبعض مجالس الذكر بالمدن والحواضر العتيقة (كفاس ومراكش وسلا).

وهذه مناسبات يستدعى لها الإمام، ومن معه في مسجده من حملة القرآن الكريم، إذ لا يكاد يخلو مسجد مغربي –مهما كبر أو صغر-من ثلاثة حفظة على الأقل، يقرؤون الحزب الراتب بعد كل صلاة مغرب أو صبح.

8-المُقدَّم في الأضاحي:

وشروط المضحي أن يكون “مسلما(ة) أو من أهل الكتاب، عاقلا، عاقدا لنية التقرب بالأضحية لله تعالى وفي سبيله تعالى، مسميا عند تقديم القربان، مهرقا لدم الأضحية بقوة… الخ”.

إلا أن المغاربة يطلبون البركة، في الاضحية، بأن يذبحها الإمام أو حامل القرآن، لبركة القرآن التي في صدره. فينالون الحسنيين: حسنى الأضحية، وحسنى المضحي.

9-المواسي في المآثم:

فتكون مواساة الإمام، لأهل الميت، عملية بداية.

فهو من يغسل الميت ويكفنه، امتثالا لقول الرسول (ص) في رجل مات: “اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين” (رواه مسلم).

وهو من يصلي عليه، مصداقا للحديث الذي روي عن سلمة بن الأكوع (ض): “أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه”. (رواه البخاري)

وهو من يشرف على عملية الدفن بكل تفاصيل أحكامها وأعرافها الموافقة، امتثالا لقول الرسول (ص): “إكرام الميت دفنه” (أخرجه ابن أبي الدنيا).

وللمغاربة في الدفن والمآثم خصوصية، يراها البعض القليل بدعة، فيما يراها أغلب المغاربة فرصة لإحياء ارتباطهم بالقرآن وصلة الأرحام وإظهار التماسك الاجتماعي والخضوع لإمام المسجد في الحي أو “الدوار”، وبالتالي لأمير المؤمنين في جماعة المؤمنين، أي في الدولة.

10-ممثل “أولي الأمر” في كل حي أو قرية:

يقول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” (سورة النساء، الآية 59).

والإمام هو ممثل أولي الأمر، حكاما يدبرون شؤون السياسية بما يقتضيه التوقيع عن رب العالمين، وفقهاء يوقعون ويترجمون عن الله تعالى. وهو، على منبره، صاحب الحكمة، ودارئ الفتنة، والمحرض على استقرار ووحدة الأمة بالعقائد والعبادات والشعائر والتنبيه للشرائع… الخ.

ولا يجوز أن يخرج الإمام في منبره أو محرابه، عن أمر “أمير المؤمنين”، فلم يكن منبره إلا لذلك. ومن أراد الرأي، والنصح في الجهر بغير علم ولا دراية، والتنطع بجهل، فعليه التخلي عن تلكم الرقعة الطاهرة، وإلا فإن إقالته تكون واجبة، مقيدة بتقدير مسؤولي “الأوقاف”.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.