وعن ” المواطنة ” ندندن (4) : اليهود المغاربة جزء لا يتجزء من النسيج المجتمعي وتاريخ الإمبراطورية الشريفة

رئيس التحرير1 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 8 أشهر
رئيس التحرير
الأخبار الرئيسيةتمغربيتمجتمع
وعن ” المواطنة ” ندندن (4) : اليهود المغاربة جزء لا يتجزء من النسيج المجتمعي وتاريخ الإمبراطورية الشريفة

تمغربيت:

الحسن شلال*

ما زلنا نتابع حلقات سلسلة ( وعن المواطنة ندندن ) (1) .. بدءا بالتقعيد والتأصيل لمفهوم المواطنة كما جاء في وثيقة المدينة كأول دستور و مرجع ديني وتاريخي أصل للمواطنة. حيث تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من تحويل النظام القبلي العشائري المتفرق والمتشرذم، إلى نظام مدني وطني ودولة أمة.. توحدت تحت كنفها وأجنحتها كل المكونات المختلفة عرقيا ودينيا وثقافيا ( أوس وخزرج .. مسلمون ويهود ونصارى) معترفا ومحافظا على الخصوصية الدينية والعرقية والثقافية لكل مكون من التركيبة المجتمعية.

لقد أكدت الوثيقة عدم تعارض الانتماء الوطني مع الانتماء الكوني والإنساني وبتعبير أخر؛ المشترك الإنساني الكوني مع مراعاة الخصوصيات المحلية. وانتهينا الى ذكر ركائز المواطنة من الحقوق والواجبات…

لننتقل في هذه الرسالة الى كيفية تنزيل مفهوم المواطنة عبر تاريخ المغرب لاكثر من 12 قرنا- زمن المغرب الإسلامي والدولة الأمة – وسنحصر حديثنا عن وضع اليهود بالمغرب عبر تاريخه الإسلامي، بعيدا عن الأيديولوجيات سواء كان بعضها يساري او اسلامي او قومي لا يمثل كل اليسار او كل الاسلاميين او كل القوميبن.. بعيدا ايضا عن مواقف بعض الأقلية من جهلة القوم … فالمرجعية عندنا هي المغرب كأمة عريقة وتاريخ وحضارة ودستور … كما سنحصر حديثنا عن استقرار وأمان اليهود في أغلب فترات هذا التاريخ المشرق، تاريخ التسامح والتعايش مستثنين الاستثناء التاريخي في فترات أقل مثل فترة المرابطين والموحدين مقابل فترات الادارسة والمرينيين والوطاسيين والسعديين والعلويين الذين عاشوا في كنفهم ازدهارا واستقرارا على جميع المستويات. حيث نعموا بحقوق المواطنة بشكل ممتاز واندماج تام مع المسلمين ومع أجهزة الدولة …

إن اليهود منذ فجر التاريخ المغربي مثلوا مكونا من مكونات وأعراق وقبائل المغرب .. فأما في عهد الأدارسة منذ المولى إدريس الأول الهارب من بطش العباسيين والذي بويع بالمغرب سنة 172هجربة.. يوثق لنا ابن ابي زرع الفاسي أن فاس عاصمة الأدارسة كانت مكونة من مسلمين ومسيحيين ويهود ومجوس أيضا.. كما قطنها سكان قبائل مختلفة. فنستخلص ان اليهود عاشوا في سلام مع اهل الديانات الاخرى في عهد الأدارسة. وقد وفد اليهود الى فاس منذ بنائها عام 808 م. مثلهم مثل الكثير من الوافدين إليها من أعراق وديانات أخرى باعتبارها عاصمة سياسية واقتصادية، فساهموا في اقتصادها لكونهم أهل تجارة وصناعة وحرف ..فعاشوا قرونا في سلام تام ابتداء من القرن 9 التاسع الهجري….

نفس هذا الجو..جو السلم والتسامح الديني بين القبائل واصحاب الديانات المختلفة زمن الأدارسة.. عرفه ايضا زمن حكم المرينيين،
فنعم اليهود بالسلام في عهدهم ..
وفي عهد المرينيين ظهرت فتاوى تحرم اضطهاد اليهود أو احتقارهم وتساويهم في الحقوق مع المسلمين وتنعت تلك الأفعال المنكرة بالفساد والحرابة ..كما ساهم السلطان ابو يعقوب يوسف المريني في حماية اليهود من أية مضايقات لهم من طرف العامة من المسلمين ..أيضا في عهد المرينيين ولأول مرة في تاريخ المغرب، انشات الدولة حيا خاصا باليهود يسمى الملاح لحمايتهم بفاس (حي سكني وتجاري وحرفي ايضا ) ..

ويذكر مؤرخنا ابن ابي زرع الفاسي ايضا أن العاصمة فاس كان يقطنها ألف يهودي مقابل مجموع ساكنتها المقدرة ب 4 الاف فكانوا يمثلون ربع سكان العاصمة أي 25% منها. وهو ما يقطع يدل بأن مفاهيم المواطنة ومبادئها وركائزها كانت منزلة تنزيلا في واقع المجتمع المغربي الإسلامي بشكل ممتاز ..في زمن كان العالم لا يعرف الف باء معنى مواطن ومواطنة وحقوق وواجبات و تسامح ديني وتعايش سلمي الخ..

أكثر من هذا وذاك، ففي عهد المرينيين أسندت لليهود كطائفة دينية مغربية فضلا عن التجارة والحرف التقليدية ووو وظائف إدارية ومهام ديبلوماسية .. وهذا لعمري قمة النضج والتحضر للشرع الاسلامي والفرادة المغربية في تنزيل الشرع.

أما في عهد السعديين فقد كان السلطان محمد الشيخ مرحبا بهم أيما ترحاب .. كما خصص السلطان عبد الله الغالب هو الآخر حيا خاصا لليهود بمراكش سماه الملاح أيضا وكان يضم الف يهودي حسب مؤرخ إسباني. ثم تكاثرت الملاحات اليهودية بمدن المغرب مع ازدياد اليهود النازحين لشمال افريقيا هربا من بطش المسيحيين ومحاكم التفتيش المسيحية بالأندلس …

لقد تزامنت فترة حكم السعديين بالمغرب مع سقوط الأندلس واضطهاد وتهجير المسلمين واليهود من الأندلس والبرتغال.. فهاجر اليهود السفارديم بأعداد كبيرة الى المغرب كبلد استقرار وسلم وأمان. فاصبح المغرب ملاذا آمنا لليهود ينعمون فيه بالأمان الى جانب المسلمين كما كان الحال في الأندلس قبل سيطرة الصليبيين وظهور محاكم التفتيش والقتل والتعذيب على ايديهم. فاشتغل اليهود في عهد السعديين ايضا مثلما كان الحال فيمن سبقهم بالطب والتجارة والفنون والترجمة .. كما استعملهم السلاطين السعديون ايضا في البعثات الدبلوماسية .. واعتلى بعضهم الوزارات ومنها وزارة الخزانة.. وانتدبهم السلاطين ايضا كوكلاء مفاوضين مع التجار الأوربيين des agents négociants ..كما ازدهرت تجارة بعض اليهود المغاربة بالموانئ المغربية بشكل لافت..
فاليهود المغاربة عرفوا دوما بإتقان التجارة والفنون والحرف اليدوية أو الصناعةالتقليدية.

يرجى مراجعة الحلقات السابقة من نفس السلسلة

( يتبع .. مرحلة الحكم العلوي)

*متخصص في التاريخ والمذاهب العقدية والفقهية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.