تمغربيت:
بقلم: د. عبد الحق الصنايبي
نشر الإعلامي يونس مسكين مقالة على موقعه الإلكتروني صوت “المغرب” بعنوان “فنزويلا.. فرحٌ قصير بثمن طويل.. تناول من خلالها حادثة اعتقال نيكولاس مادورو من طرف قوات دلتا الأمريكية.. معتبرا أن الفرح الذي عبر عنه المغاربة يُخفي خطر الغاية البعيدة مهما استفدنا من الغاية العاجلة.
ومن خلال هذه المقالة، تناول يونس مسكين بنبرة نقدية مشاعر الفرح والرضى التي عبر عنها مجموعة من المغاربة.. والذين جعلوا من القضية الوطنية “النظارة” التي ينظرون من خلالها إلى صدق الصداقات ونجاعة الشراكات. وأكد “مسكين” بأن ما وقع في فنزويلا يُعد مؤشرا خطيرا على انهيار منظومة القانون الدولي.. وبأن الفرح لمثل هذا الإجراء التعسفي يبقى محفوفا بمخاطر تهدد بسقوط آخر قلاع المدنية.. ألا وهو القانون الدولي، والذي يعتبر، على علاته، آخر الحصون التي تمنعنا من الاندحار نحو قانون الغاب.
الرد، بين القانون الدولي والممارسة السيادية
وبكل أمانة، قد نتفق مع ما طرحه الإعلامي يونس مسكين، لو لم يكن “الضحية” هذه المرة هو شخصية اسمها مادورو.. والتي عُرفت بعدائها وعداوتها للمملكة المغربية منذ عقود.. والتي لا تقيم وزنا لسيادة ووحدة الدول، بل وهناك قرائن قوية على تدريبها وتسليحها لمليشيا البوليساريو.. وتجنُّدها الدبلوماسي لفائدة الأطروحة الانفصالية.
ثانيا، فرح المغاربة لسقوط زعيم عصابة كارتيل المخدرات الصلبة لا يعني بأنهم يباركون الوسيلة.. ولكنهم يرون النازلة بعين المصلحة الوطنية، ولسان حالهم يقول بأن القضية الوطنية ربحت الشيء الكثير.. وأزاحت عدوا وخصما عنيدا للقضية الوطنية، ولو تطلب الأمر تحمل بعض تصرفات الرئيس ترامب مع الكَراهَة.
ثالثا، لا يمكن لباحث في العلاقات الدولية أن لا يعترف بانهيار منظومة القانون الدولي.. خاصة وأن هذه المنظومة أرست قواعد قانون الغاب وقامت بتغليفه في قواعد قانونية وقوالب مسطرية تنظم العلاقة بين “أسود العالم”.. وتجعل من “القوة” و “المصلحة الوطنية” ونظرية “التوازن” المحددات الأساسية لعلاقات دولية جعلت من القانون مجرد قواعد للتأثيت لا للتوجيه والزجر.
هذه الحقيقة توصل إليه الرئيس الفرنسي الأسبق شارل دوعول والذي ظل يطلق على الأمم المتحدة مصطلح “الأمم التي يُقال بانها متحدة” “les nations dites unies”. وهي القناعة التي أكدتها مجموعة من التعبيرات السياسية العنيفة على رقعة شطرنج العلاقات الدولية.
بين قاون الغاب وقانون الأمم
في هذا الصدد، لا يمكن الحديث عن القانون الدولي أمام المجازر التي يرتكبها الكيان على الأراضي الفلسطينية المحنلة.. كما أننا لا نجد مكانا للقانون الدولي عند الحديث عن الانتهاكات اليومية لنفس الكيان لكل من سوريا وقطر والكيان الصفوي الإيراني.. ولا لما يحدث حاليا في اليمن، أو الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا.. وأين كان القانون الدولي عندما ضمت موسكو القرم إلى مجالها الجغرافي. دون ان تحرك المنظومة الأممية ساكنا؟.
في نفس السياق، يجب الاعتراف بأن “القانون الترامبي” بدأ يحل محل الأمم المتحدة حتى لحلحلة أصعب النزاعات المسلحة.. وهنا الحديث عن النزاع الأرميني-الأذري، والنزاع بين تايلاند وكمبوديا، وأيضا الصراع المسلح بين الكونغو الديمقراطية ورواندا والانفلات العسكري بين الهند وباكستان في إقليم كشمير المتنازع عليه.
وبالعودة إلى القضية الوطنية الأولى، يعلم الإعلامي يونس مسكين بأن الولايات المتحدة هي من تحدد بوصلة الحل السياسي.. بل واعترف لها و “شكرها” مجلس الأمن على قبولها الوساطة من أجل إنها هذا الصراع.. والذي ما كان له ليعرف هذه التطورات الإيجابية لو ظل حبيسا للمناقشات البيزنطية للمنظومة الأممية.
ولابد لنا أيضا من أن نؤكد، بأن المغرب نجح في استكمال وحدته الترابية.. من خلال اللجوء “في بعض الأحيان” إلى تدابير لا علاقة لها بالقانون الدولي (المسيرة الخضراء، استرجاع وادي الذهب، تطهير معبر الكركرات”.. وهو ما يقطع بأن الاعتماد الحصري على مبادئ القانون الدولي كان سيكلفنا الكثير بخصوص قضية استكمال وحدتنا الترابية.
وحتى عندما يتعلق الأمر “بزعيم بقايا اليسار” مادورو، فالكل يعلم بأنه رئيس غير شرعي أسقطته الانتخابات الرئاسية في فنزويلا. وبالرغم من وجود اختلاف بين “الشرعية الداخلية” و “الاعتراف الدولي”، إلا أن هناك مبدأ في القانون الدولي ينص على “عدم الاعتراف بالوصول غير الدستوري للسلطة”. وبالتالي فإن وجود مادورو على رأس السلطة في فنزويلا في حد ذاته فيه نظر.
إن “الهروب” و “الاختباء” وراء مقتضيات القانون الدولي من أجل الانتصار لأطروحات لا تخدم القضية الوطنية.. ما هو إلا إعادة التلويح بورقة الخوارج “حكمت الرجال في دين الله.. ولا حكم إلا لله”، والتي رد عليها سيدنا علي كرم الله وجهه بعبارة “كلمة حق أريد بها باطل”.
ونختم بالتنبيه إلى قاعدة مهمة في العلاقات الدولية، والمرتبطة بتراتبية أشخاص القانون الدولي.. حيث تسمو الدول عن جميع المنظمات الدولية، وبالتالي فإن جميع الدول تلجأ دائما إلى تبرير اختياراتها السيادية من خلال قراءات براغماتية للقواعد القانونية.. ولذلك نجدها تبحث لمنطقها عن الأعذار وتجتهد في التأويل لما يخدم مصالحها أولا.. في واقع لا يؤمن إلا بالقوي ولا ينضبط إلا للمكين.
نعم إذا، هو منطق الغاب وواقع الغاب وقانون الغاب.. وما عليك إلا أن تكون أسدا لتحكم أو ذئبا لتعيش أو حملا وديعا فتكون فريسة وتضيع مثل الأيتام في مأدبة اللئام.





تعليقات
0