دفاعا عن أسس التدين المغربي..

محمد الزاوي8 يناير 2022آخر تحديث : منذ 11 شهر
محمد الزاوي
مجتمع
دفاعا عن أسس التدين المغربي..

تمغربيت:

محمد الزاوي*

أغلب الأمم تعود اليوم إلى عناصر أصالتها، فتعيد إنتاجها وفق مصالحها الوقتية. إنها نزعة سائرة في الاتساع، وخاصة في أمم الشرق، كالصين وإيران وتركيا ومصر والسعودية وروسيا، ولو أن هذه الأخيرة ذات خصوصية أوراسية، بين الشرق والغرب.

لن نتحدث هنا عن هذه التجارب، رغم أهمية معرفتها والاطلاع على مختلف سياقاتها. بل إن غاية غايتنا، في هذه المقالة، هو رصد أسس التدين المغربي، باعتبارها أهم عناصر الأصالة المغربية، وكذا الدفاع عنها على النقيض من المتربصين بها. وليس هؤلاء بالمخَلّصين للعلم والمعرفة والدين كما يسوقون لأنفسهم، بل تحكمهم أهواء ساذجة بإحسان الظن إليهم، أو ترعاهم وتنفخ أرواحهم جهة أجنبية بإساءة ذلك الظن.

لابد إذن من حصر أسس التدين المغربي، وهي المتمثلة فيما يلي:

– إمارة المؤمنين في الحكم: وهي أساس كل الأسس، وأصل الأصول، حاميتها وخادمتها، منتجة بنائها المادي بموجب عقد البيعة بين أمير المؤمنين وجماعتهم. ولما كانت كذلك، كان حريا بنا وضعها في الترتيب قبل غيرها من الأسس الأخرى.

– مقرأ الإمام نافع والقراءة الجماعية للقرآن: وهذا شكل لمضمون، شكل قراءة لمضمون حاجة. فوافق مقرأ نافع برواية ورش خصوصية اللسان المغربي، كما وافقت القراءة الجماعية حاجة المغاربة إلى تعلم اللغة العربية والاستشفاء ببركة القرآن.

– مذهب الإمام مالك في الفقه: ارتضاه المغاربة فقها يستوعب خصوصية حياتهم المادية، ويمكنهم من تقدير مصالحهم ومفاسدهم حق تقديرها، بميزان “سد الذريعة” و”المصلحة المرسلة”. ولما كان “المذهب المالكي” فقها وسطا بين تأمل الواقع (أبو حنيفة أميل إليه) والتزام المعيار (الشافعي أميل إليه)، فقد اختاره المغاربة وخدمه سلاطينهم وملوكهم، حفظا للنص والمصلحة معا، وكلاهما أنفع للأمة المغربية.

– عقيدة الإمام الأشعري: لا تُكفّر أحدا من أهل القِبلة، وتخدم العقيدة بالعقل، وتؤسس لقبول الآخر المختلف عقديا على أرض الوطن. وهذه أبعادٌ للأشعرية، من الماضي، وواجبة الاستثمار في الشرط المغربي الراهن.

– طريقة الجنيد في التصوف: وهي طريقة للتصوف اليقظ لا تنكر الكرامة، ولا ترى أن من صلاحياتها تبخيس الكرامات واحتقار أصحابها، كما ذهب بعضهم ممن يدّعي دفاعا عن ثوابت الأمة تقية، وهو بها من المتربصين كما سيأتي (في مقال لاحق). إن التصوف ذا الخصوصية المغربية ليس صالحا للمغاربة وحدهم، بل للعالم كله. إنها تجربة صالحة للتصدير، في كل المناحي، نحو عالم أنهكه الاستهلاك الفاحش وما أنتجه من تفاهة وغياب معنى.

هذا، ولا يجوز إغفال ما يتفرع عن هذه الأسس من أسس أخرى، نذكرها –على سبيل المثال لا الحصر-كالآتي:

– ما صحّ من الحديث: وليس هذا دعوة للأثر من غير معيار، بل المطلوب هو إعمال النظر في الأثر، والأخذ بما وافق هذا الإعمالَ منه. وتلك هي سنة سلاطين المغاربة وملوكهم، إذ أسسوا مجالس سرد الحديث وشرحه، ووقّفوا عليها أوقافا، دون أن يسقطوا بذلك في نقض أصول المذهب والعقيدة والسلوك في خصوصيتهم.

– البوادر الأولى لتجاوز المنطق الأرسطي: فقد نبه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، المؤرخ الاثنوجرافي، د. أحمد التوفيق، في محاضرته الأخيرة “الدراسات الإسلامية: إلى أين؟”، إلى ما يحتاجه الفقهاء المغاربة من تجاوز (لا إلغاء الكل) للمنطق الأرسطي، كونَه لا يجزئ في وعي الواقع ومتغيراته وعيا سديدا. نقول: وإن التراث الفقهي المغربي مكتنز ببوادر هذا التجاوز، إذ يرتبط الفقهاء المغاربة أكثر من فقهاء المشرق بواقع المعيشة والنظم. فكانوا بذلك أقرب إلى اكتشاف المنطق التجريبي، في ممارستهم الفقهية، أكثر من غيرهم. وهذا هو ما يجب أن يكون غاية سلفهم، دون أن يقفوا عنده، ودون أن ينشغلوا به عن منطق أرقى وأسمى (هو المنطق الجدلي).

– العربية لغة كتابة وتثقيف: لا يستقيم كل ما ذكر أعلاه إلا باللغة العربية. فبقدر ما هي في حاجة إلى إصلاح، بقدر ما هي في حاجة إلى الحماية. هي لغة الدولة المغربية، لغة كتابتها وإدارتها وخطابها العام. إنها عنصر من عناصر الهوية المغربية، في مواجهة التحديات الأجنبية. وهكذا، يستوعب المغرب تنوعه الثقافي واللغوي، دون تفريط في أساس ذلك التنوع، أي العربية (الكتابية أساسا) التي تشكل أساس الدولة وعنصر ارتباطها بمحيطها وجذورها التاريخية.

كان هذا المقال بمثابة توطئة لحديثنا، في مقال لاحق، عن المتربصين بأسس التدين المغربي، نكشف زيف أقنعتهم، ونفضح سر خروجهم عن ثوابت الأمة المغربية.

*باحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليقان

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي تمغربيت
  • لعميري8 يناير 2022 - 2:56

    الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بالله وكيلا

  • إسماعيل9 يناير 2022 - 5:30

    الحمد لله أننا ولدنا مسلمين و كفى بها نعمة … و شكرا أستاذ الزاوي عن هذا المقال الجميل الذي يبرز أصول و ثوابت الدولة المغربية و المغاربة