حكمة الدولة المغربية في الموقف من الأزمة الروسية الأوكرانية.. محاولة للفهم..

رئيس التحرير4 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
رئيس التحرير
دوليةقضية الصحراء المغربية
حكمة الدولة المغربية في الموقف من الأزمة الروسية الأوكرانية.. محاولة للفهم..

تمغربيت:

محمد الزاوي*

لا أحد يستطيع أن يجيب، أكثر من الدولة وقبلها، عن سؤال: لماذا قرر المغرب عدم المشاركة في التصويت على “قرار الجمعية العامة لهيئة لأمم المتحدة، بخصوص الوضع بين أوكرانيا وروسيا الفدرالية”؟

سيقول بعضهم: ما سر كل هذا الإذعان للدولة؟

والجواب هو: أن للدولة من المعطيات المتداخلة والمترابطة ما لا يقدر على جمعه، فضلا عن استيعابه وتحليله، الفرد الواحد. تستمد الدولة قوتها من أجهزتها ومؤسساتها، فتكون أقرب إلى الحقيقة من غيرها. مَن لا يستوعب هذه المسألة، لن يستوعب بالتبع ما يقع في عالم اليوم.

الموقف نتاج عملية ذهنية تركيبية بين معطى واقعي وتحليل نظري، ومن يعوزه المعطى فلا رجاء في موقفه، إلا من باب الحدس. قد يصيب هذا الأخير، ولكن نادرا، وعند من عرف معطيات وغاب عنه بعضها، فاكتفى مكرها ببعضٍ عن بعضٍ، لأن الأول يدل على الثاني.

لا بد من مثال، حتى يتضح المقال. فكثيرا ما تعرف مصالح دولة ما من خلال خطها الدبلوماسي، أو خطها الإعلامي. لا تُعرَف تلك المصالح بالدقة المطلوبة، إلا أن الكشف عنها يكون في المتناول.

ليس هذا كلاما بلا فائدة، وإنما هي رسالة نبرقها لفئتين:
– أصحاب “إيديولوجية الحدس بلا حدود”.
– وأصحاب “إيديولوجية المعطى بلا حدود”.

نريد أن نقول بعجالة، وقبل الدخول في صلب موضوعنا الرئيسي، ما يلي:
الدولة أولى وأحق بإنتاج الموقف السديد، ولا يجوز أن يتجرأ على فهم موقفها ومعرفة خلفياته إلا محلل يجيد الحدس ويحسن الخروج من مأزق “غياب المعطى أو نقصه”.

إذن، كيف نفهم قرار المملكة المغربية “عدم المشاركة في التصويت على قرار الجمعية العامة لهيئة لأمم المتحدة، بخصوص الوضع بين أوكرانيا وروسيا الفدرالية”؟.

لا يمكن فهم هذا القرار إلا بالإجابة على عدد من الأسئلة، لعل أبرزها:

– إلى أي واقع سيؤول الواقع الأمريكي الحالي؟ فلنعد السؤال بصيغة أخرى: المستقبل لِمن في الولايات المتحدة الأمريكية، للرأسمال المدني أم العسكري؟

– كيف تنظر دول الاتحاد الأوروبي، وبالضبط فرنسا وألمانيا (النواة الصلبة للاتحاد)، للتناقض العالمي الراهن بين الشرق والغرب؟ وأي موقع تبحث عنه لنفسها في داخل هذا التناقض؟ سؤالان نطرحهما بحثا عن الحقيقة، لا متأثرين بالبروبغاندا الإعلامية التي يعلم الأوروبيون أنفسهم أنها مؤقتة.

– ما موقف الصين من الأزمة الروسية الأوكرانية، في العمق العالمي للصراع، لا كما يصرح دبلوماسيوها ومسؤولوها، بقول حقيقة وإخفاء أخرى؟ ولا يخفى على القارئ أن معرفة موقف الصين مسألة مهمة بالنسبة للمغرب، بحكم التقارب المغربي الصيني الواضح، والذي يحمل بين طياته بذور “عالم جديد”.

– هل لروسيا القدرة على إنهاء صراعها مع الغرب و”الناتو” لصالحها؟ وهل من معطيات تفيد ذلك؟

– هل مِن مضمون جديد يتشكل داخل الأمم المتحدة، خلاف مضمون “الأحادية القطبية الأمريكية”؟ وما هي السياسات الخارجية التي يفرضها هذا المضمون الجديد؟

لا بد من إعادة الأسئلة أعلاه، على ضوء المصالح العليا للدولة المغربية، فنقول:

– مصلحة المغرب مع مَن داخل أمريكا؟ مع الطرف المدني أم العسكري؟ وما هي المعطيات المتوفرة للدولة المغربية بخصوص كل منهما؟

– كيف يقيم المغرب علاقاته بدول الاتحاد الأوروبي؟ وهل من المعقول اصطفافه (كما قد يراد له) إلى جانب هذه الدول في إدانة “تكتيكية مؤقتة” (لا استراتيجية) للتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا؟

– كيف ينظر المغرب لمستقبل علاقته بالصين في المدى القريب؟ وهل توصلت إدارة الدولة المغربية إلى قناعة: “الصعود الصيني لا مفر منه”؟.

– هل تأكد المغرب من أن المضمون الجديد -طور التشكل- للأمم المتحدة يخدم مصلحته أكثر من مضمون “الأحادية القطبية الأمريكية”؟

– هل توصل المغرب إلى قناعة أن “الحل النهائي لمشكل الصحراء المغربية المفتعل” ستعزز ويتحقق مع المضمون العالمي الجديد -طور التشكل-، ولذلك فهو يترقب؟

تكلم كثير من المحللين والمتابعين، من الناحية التكتيكية، وناقش بعضهم القرار المغربي كما تناقَش “مناوشات الصبيان في الأزقة”. وليس ذلك هو “ميزان” دولة عظمى كالمغرب، إذ الحضارات تنظر بمنظار الحضارات، وترى المستقبل بذات المنظار.

لم نكن نريد الجواب على الأسئلة أعلاه، ونحن نطرحها على القارئ الكريم؛ وإنما كان المرادُ تمرينَ عقل هذا الأخير على تفكير الدولة، على الطريقة التي تفكر بها في مستقبلها الاستراتيجي. كثيرون لا يفهمون هذا البعد في عقل الدولة (في “عقل مهندس الدولة القومية” بتعبير عبد الله العروي في “الإيديولوجيا العربية المعاصرة”)؛ كثيرون لا يفهمون هذا البعد، فتضل أحكامهم تجاه الدولة، وتحتكم مواقفهم تجاهها للشعور أكثر من “ميزان القوى الداخلي والخارجي”، والأصل أن “الحقيقة توجد خارج شعورنا لا داخله”. وليس داخل الشعور إلا إحدى مسألتين: “تجريد نظري لحركة الواقع الموضوعي”، أو وهم يأسر وعي صاحبه.

ملحوظة: ذيلنا عنوان هذا المقال بعبارة “محاولة للفهم”، أي أنها مجرد محاولة، قد تنجح وقد تفشل. وحسبنا هذا التواضع النابع من قناعتنا: “أننا لا نعلو على الدولة”.

*باحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.