النقاش الخفي في موضوع “الشيخة”..

محمد الزاوي24 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 7 أشهر
محمد الزاوي
وجهة نظر
النقاش الخفي في موضوع “الشيخة”..

تمغربيت: 

محمد زاوي

المعركة قيمية بين نموذجين: نموذج يريد أن يدفع ب”الشيخة” إلى أبعد الحدود. ونموذج آخر يريد أن يدفع ب”الشيخ” إلى أبعد الحدود. فتستحيل “الشيخة” رمزا للحداثوية، فيما يستحيل “الشيخ” رمزا للأصولية.

والحقيقة، أن “الشيخ” و”الشيخة”، قبل أن تتدنس صورتهما بالأفكار الأجنبية الدخيلة، كانا جزءا من الثقافة المغربية. كلاهما كانا يعكسان بنية سياسية واجتماعية معينة، يصونانها ويحفظانها.

بحث في متن الخطاب:

كان خطابهما معا، “الشيخ” و”الشيخة”، جزءا من معاركنا التاريخية، وصورة لموقعنا في التاريخ. كلٌّ يشتغل في مجاله الخاص، والحقيقة واحدة، هي التعبير عن واقع أعمق.

إن قراءة في قصيدتي “العلوة” أو “خربوشة”، لشبيهة بقراءة أخرى في كتاب “إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة”. صحيح أن “العلوة” تتغنى بالأسياد والأولياء، فيما يعتبر صاحب “إظهار الحقيقة” التعلق بهم بدعة؛ إلا أن الغاية واحدة: مواجهة الاستعمار.

يرى صاحب “العلوة” اقتراب جيوش المستعمِر من أرضه، فيفرّ إلى الأولياء عسى بهم يقوي عزيمته. فيما يرى صاحب “إظهار الحقيقة” الأولياء قد أضلوا الناس عن معركة التحرير، فيفر إلى السنة لعله ينهي بها حالة الركون إلى الاستعمار.

السياق التاريخي:

من وجهة نظر تاريخية، ليس “الشيخ” و”الشيخة” بعيدين عن بعضهما البعض كل هذا البعد. إن التباعد الحاد بينهما مصطنع، يغطي بطبقة سميكة تاريخنا الحقيقي، تاريخا أصبح إحياؤه جزءا من معركتنا التاريخية ضد الأجنبي وعملائه.

لسنا مطالبين بإحياء ذاكرتنا الموسيقية والغنائية فحسب، بل الفقهية والسلوكية أيضا. فقد غاب “الشيخ” كما غابت “الشيخة”، وأصبح بيننا وبين النص الفقهي المغربي حجاب كما هو الحال بيننا وبين قصيدة العيطة.

“الشيخ” و”الشيخة”، إذن، ليسا معطيين أخلاقيين، بل هما معطيان تاريخيان. تم إنتاجهما في زمن سابق، ويعاد إنتاجهما في الزمن الحالي، وفق الشروط التاريخية لكل زمن.

ولن يفهم حقيقة “الشيخ” من لم يفهم حقيقة “الشيخة”، والعكس صحيح. فالنظرة التاريخية واحدة، نظرة علمية لا أخلاقوية، تحكم على كل ظاهرة في سياقها التاريخي، ولا تزن الظواهر بميزان التقاطبات الإيديولوجية.

تعبيرات فن “العيطة”

“الشيخة” ظاهرة تاريخية تستمد أصولها من ظاهرة أعمّ هي “العيطة”، كجملة قصائد مغناة من قِبل، لا النساء وحدهن، بل الرجال أيضا. والعيطة هي في المقام الأول:

  • جملة قصائد كادت في فترة من الزمن، أن تغطي كافة التراب المغربي، من شماله (الطقطوقة الجبلية) إلى جنوبه (العيطة الفيلالية).
  • ثم إنها قصائد غنية بالمعطيات، عن علاقة الإنسان بالغيب، بنفسه، بالأرض، وبغيره من الناس.
  • كما أنها قصائد تعكس بنيات اقتصادية وسياسية واجتماعية، لا في مضمونها الأدبي، ولكن في آلاتها وهيئاتها وغير ذلك.
  • وهي كذلك قصائد تنطق بالجغرافيا المغربية، إذ لكل منطقة مضمون وشكل غنائيين، حسب نوع مواردها الطبيعية والبشرية.

العيطة، من هذا المنظور، مصدر تاريخي مهم، من خلالها قد نملأ ثغرات تاريخية عديدة، في تاريخ الشمال ب”العيطة الجبلية” (أبرز أقطابها: محمد العروصي). وفي تاريخ الغرب ب “العيطة الغرباوية”، وفي تاريخ زعير ب”العيطة الزعرية”. في تاريخ الشاوية والبيضاء ب”العيطة المرساوية” (أبرز أقطابها: بوشعيب البيضاوي)، في تاريخ دكالة وعبدة ب”العيطة الحصباوية” (أبرز أقطابها فاطنة بنت الحسين)، في تاريخ مراكش والحوز ب”العيطة الحوزية”. ثم في تاريخ الجنوب الشرقي ب”العيطة الفيلالية” (أبرز أقطابها: الحاج محمد باعوت)… الخ.

إن النقاش الرائج، اليوم، بين الأصولية والحداثوية، يخفي عن الشعب المغربي كل هذه المساحات، وهذا هو المؤلم في القضية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.