اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل: مصلحة وطنية أم خيانة للقضية؟؟؟؟؟

د. عبدالحق الصنايبي2 يناير 2022آخر تحديث : منذ 11 شهر
د. عبدالحق الصنايبي
قضية الصحراء المغربيةوجهة نظر
اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل: مصلحة وطنية أم خيانة للقضية؟؟؟

تمغربيت:

د. عبد الحق الصنايبي

 

رغم أن إعلان المملكة المغربية لقرار التطبيع مع إسرائيل أثار العديد من ردود الفعل بين مؤيد ومعارض ومتردد ومراقب بالنظر إلى حساسية القضية وترسخها في اللاشعور الجماعي للمغاربة، إلا أن هناك إجماع وطني على أن اعتراف أقوى دولة في العالم بمغربية الصحراء يعتبر اختراقا حاسما للدبلوماسية المغربية بقيادة الملك محمد السادس ومؤشر على قرب الطي النهائي لهذا الملف الذي عمَّر أكثر مما يجب.

ولعل الفصل، في هذا النوع من القضايا، بين المقاربة الموضوعية والتعاطي الذاتي يبقى مهمة شاقة على الباحث في بحر الاستراتيجية والأمن القومي والذي يبقى مطالباً بتجنب ردات الفعل الآنية وأحكام القيمة الفورية وأن يتعامل مع الظواهر بعيون تحليلية وتفكيكية باردة وإن لم تكن دائما في منأى عن الذاتية وعن قبضة العاطفة التي تكبح محاولات الهروب إلى فضاءات الحرية الفكرية والتحليل الموضوعي.

إن حتمية الانتماء العربي والإسلامي وجدلية الارتباط بالقضية الفلسطينية تجعلنا نتحسر على الظروف التي دفعت مجموعة من الدول إلى التطبيع مع كيان استباح الأراضي العربية في كل من فلسطين وسوريا وقبل ذلك مصر، وهو الاحتلال الذي ترفضه القوانين السماوية وتستنكره المواثيق الوضعية وتشجبه الأعراف الأممية.

غير أن هذا الواقع لا يمنع من الاعتراف بأن المملكة المغربية ومعها باقي الدول العربية، كل حسب قدرته وقوته، قد ساهموا سياسيا وماليا ودبلوماسيا في الدفاع عن الحقوق المشروعة للفلسطينيين وهو ما تؤكده عشرات الاجتماعات والقرارات التي صدرت عن جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وهو ما لا يمكن أن ينكره أو يزايد عليه أحد.

في هذا السياق، وأمام هذا الهاجس الوطني والمعطى الأخلاقي لابد من محاولة فهم سياقات الاتفاق المغربي-الإسرائيلي وإلى أي حد يمكن أن يشفع لنا التاريخ هذا الاتفاق الذي اعتبره البعض طعنا في ظهر “القضية” واعتبره البعض الآخر انسلاخا من الدين وخروجا عن الإسلام، فيما اعتبره البعض تدبير استراتيجي ذكي خاصة وأن هذا الاتفاق لا يتعارض مع المواقف المتجذرة والراسخة للمملكة المغربية اتجاه القضية الفلسطينية والمتمثلة في حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67 وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.

في هذا السياق، يعتبر المغاربة قضية الصحراء قضية وطنية ترتقي في مدارج الارتباط إلى درجة القدسية وجعلوها جزءا لا يتجزأ من العقد الاجتماعي الذي يربطهم بولي أمرهم ممثلا في المؤسسة الملكية التي تسهر على ضمان استقلال ووحدة البلاد والدفاع عن حوزتها  بمقتضى الفصل 42 من الدستور المغربي، وهو ما يجعل من قضية الصحراء المغربية تسمو عن جميع القضايا بالنظر إلى أن الارتباط بها لا تمليه فقط العاطفة الدينية أو النزعة القومية بل لكونها جزء من تعاقد سياسي ينعكس على تماسك بنية الدولة بمكوناتها الكلاسيكية “الأرض، الشعب، الهيئة أو السلطة السياسية المنظمة”. هذا الادعاء لا ينفي بأن المغرب، بشعبه ومؤسساته، عمل على الارتقاء بالقضية الفلسطينية إلى مصاف القضية الوطنية واعتبر دعمها خطا ثابتا في دبلوماسيته الرسمية وتعبيراته الشعبية على السواء.

على المستوى الاستراتيجي، يبقى الحكم على القرار المغربي مرتبطا بمدى مساهمته في تحقيق الهدف السياسي الأسمى للدولة المغربية بما لا يتعارض مع التزاماتها اتجاه القضية الفلسطينية لنخلص إلى تحديد ما يصطلح عليه ب “معيار الإنجاز الاستراتيجي”. وهنا لابد من التذكير بأن القرار الاستراتيجي هو جزء من منظومة جد معقدة يمكن أن نلخصها في المستويات التالية:

  • مستوى الهدف السياسي الأسمى
  • مستوى الاستراتيجية الكبرى أو العظمى
  • مستوى الاستراتيجية
  • مستوى العمليات
  • مستوى التكتيك

على هذا المستوى من التحليل، يبقى الهدف السياسي الأسمى للدولة المغربية هو الطي النهائي لملف الصحراء وفق الرؤية المغربية بما يسمح بإنهاء 46 سنة من النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء. هذا الهدف السياسي يتطلب تحريك وتعبئة مختلف القطاعات الحكومية (الدبلوماسية، الدفاع، الإعلام، المجتمع المدني والسياسي…) بشكل ذكي قصد إحداث تراكم إيجابي يساهم في تحقيق الهدف السياسي الأسمى، وهو ما يدخل ضمن مستويات الاستراتيجية الكبرى بتعبير المنظر البريطاني بازل ليدل هارت.

ويمكن القول بأن التعامل الحكيم للملك محمد السادس جعل المغرب ينجح في تحقيق الهدف السياسي الأسمى دونما إخلال أو تنازل عن القضية الفلسطينية والتي تبقى قضية محورية في العلاقات العربية الإسرائيلية ومفتاح السلام في الشرق الأوسط على اعتبار أن المغرب ربط اتفاق التطبيع بضرورة إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وفق مخرجات قرارات جامعة الدول العربية وعلى رأسها دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية وهي المواقف التي يتشبث بها المغرب كمقدمة لأية تسوية نهائية للقضية الفلسطينية.

إجمالا يمكن القول بأن الحكمة الملكية تعاملت بواقعية وبدهاء استراتيجيين جعل المغرب ينجح في إطلاق رصاصة الرحمة على الأطروحة الانفصالية وخلق إجماع دولي حول أحقية المغرب القانونية والتاريخية على صحرائه. ولم يقف الدهاء المغربي عند هذا الحد بل تجاوز ذلك إلى إسقاط ورقة التوت عن نظام الجنرالات وفضح مناوراته الإقليمية بل وأصبح المنتظم الدولي ينظر بعين التوجس إلى هذا النظام القلق الذي لا يمكن توقع ردات فعله وبالتالي ربما وجب الحجر عليه وذلك بوضعه تحت البند السابع لميثاق الأمم المتحدة كنظام يهدد الأمن والسلم الدوليين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات 3 تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي تمغربيت
  • حدو2 يناير 2022 - 10:06

    متفق مع التحليل ،مصلحة ومستقبل المغرب في الصدارة حتى نعزز أمننا

  • Salam-Mar=Dhakla city Morocco3 يناير 2022 - 12:51

    الكل مسؤول عن وطنه ، موطني هو المغرب وكل اهتمامي وجهدي هو لبلدي أولاً وقبل كل شيء.
    أنا لا أهتم بمشاكل الدول الأخرى في حين أن بوليزابيل والجزائر يهاجم ويقتل الجنود المغاربة منذ 47 عامًا.

  • عبدو وادي زم3 يناير 2022 - 3:00

    اخي قضية فلسطين قضية الفلسطينيين أولا وقضية الصحراء المغربية قضية مغربية منطقيا ومن خلال رصد ما يقع على الأرض…كل دولة تدافع عن وجودها وكينوننتها أولا وأخيرا.. وما لقاء محمود.عباس ووزير الدفاع الاسراىيلي الاسبوع المنصرم إلا رسالة لكل عربي ان يعلم أن تدبير القضية تستوجب تحركات ولقاءات تبدو للبعيد غريبة ولكنها لأصحاب الدار عادية..بمعنى المغرب طبع مع إسرائيل لتحقيق مصالحه والحفاظ على وجوده في مواجهة جار سوء له نوايا توسعية نحو المحيط الأطلسي بمساعدة أعداء اوربيين وغيرهم…تحياتي