الشعب المغربي: ضمانة أساسية ضد مشاريع “الإرهاب المتوحش”

د. عبدالحق الصنايبي16 ديسمبر 2021آخر تحديث : منذ 11 شهر
د. عبدالحق الصنايبي
المغرب في مواجهة الإرهاب
الشعب المغربي: ضمانة أساسية ضد مشاريع "الإرهاب المتوحش"

تمغربيت:

لم يعد حدث تفكيك الخلايا الإرهابية من طرف المكتب المركزي للأبحاث القضائية حدثا استثنائيا في حد ذاته، على اعتبار تمرس الأجهزة المغربية وريادتها في مثل هذا النوع من الجرائم العابرة للقارات، ولكن المعطى الاستراتيجي المهم هو التفاعل الشعبي والتعبير العام اللافت والرافض لمخططات الإرهاب التي تستهدف ضرب نقطة قوة المغرب في أمنه واستقراره.

هذا المعطى، الذي لم يمر عليه البعض إلا كمرور اليتيم بقوم، وجب التركيز عليه وتناوله في بعده الاستراتيجي وليس في شقه الحماسي وردة الفعل اللحظية التي يعبر عنها المغاربة كلما نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك إحدى الخلايا التكفيرية. ولعل عدم الخوض في خطورة ظاهرة “الحواضن الشعبية” للمفاهيم الراديكالية مرده، بالأساس، إلى الجهل بالبناءات الفكرية والتأصيلات الفقهية للتنظيمات التكفيرية وهو ما يدفع إلى ضرورة استيعاب هذا التفصيل الاستراتيجي من طرف المواطن المغربي والمسؤول الأمني والاستخباراتي على السواء.

في هذا السياق، يبقى المغرب من الدول التي تبقى مرشحة، أكثر من غيرها، لتكون هدفا استراتيجيا للتنظيمات الإرهابية، وذلك من خلال تلاقي مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية، ترى فيها هذه التنظيمات مقدمة للتحرك الميداني في اتجاه محاولة إخضاع المملكة المغربية لأجندتها التخريبية. وهنا نُحيل على أهم مرجع حركي يحكم ويوجه تكتيكات التحرك عند الجماعات الإرهابية في محاولتها المتكررة لوضع يدها على الدول العربية والإسلامية التي “رشحتها الدراسات” لتكون هدفا من أهداف “التمكين”، ويتعلق الأمر بكتاب “إدارة التوحش” لمؤلفه أبي بكر ناجي والذي يقدم لنا وصفا للشروط الواجب توفرها في الدول التي يجب أن يتركز عليها النشاط “الجهادي”، فيقول في الصفحة 16 ما نصه:

بالنظر إلى الروابط المشتركة بين الدول التي يمكن أن يحدث فيها مناطق توحش نلاحظ أنه يجمعها بعض، أو كل المقومات الآتية:

–  وجود عمق جغرافي وتضاريس تسمح في كل دولة على حدة بإقامة مناطق بها تدار بنظام إدارة التوحش.

– ضعف النظام الحاكم وضعف مركزية قواته على أطراف المناطق في نطاق دولته بل وعلى مناطق داخلية أحيانا خاصة المكتظة.

وجود مد إسلامي جهادي مبشر في هذه المناطق.

طبيعة الناس في هذه المناطق، فهذا أمر فضل الله به بقاعاً على بقاع.

– كذلك انتشار السلاح بأيدي الناس فيها”.

من خلال هذا الطرح يقترح المنظر “الجهادي” مجموعة من الدول لتكون قاعدة لنشاط التنظيمات “الجهادية” فيقول: “رشحت الدراسات القريبة لحركة التجديد والمرتبطة بالأحداث الجارية مجموعة من الدول ينبغي التركيز عليها من قبل المجاهدين حتى لا تتشتت القوة الضاربة للمجاهدين في دول لا مردود من وراء العمل المركز فيها…ثم أصبحت الدول المرشحة مبدئيا لتدخل في مجموعة المناطق الرئيسية هي مناطق الدول الآتية: الأردن وبلاد المغرب ونيجيريا وباكستان وبلاد الحرمين واليمن”.

على هذا المستوى، يمكن القول بأن تشريحا للشروط التي وضعها منظر التنظيمات الإرهابية كهدف استراتيجي لمخططات التمكين يجعلنا نقطع بأن المغرب يبقى (ولو إلى حين) بيئة رافضة للفكر المتطرف ومُحصَّن استراتيجيا ضد مخططات “التوحش” وذلك راجع لاعتبارات أساسية وحاسمة لعل من أبرزها سقوط شرطي “المد الجهادي المبشر”، و”طبيعة الناس في هذه المناطق”، دون إغفال باقي التفصيلات التي ليست في صُلب نقطة البحث التي نحن بصدد تفصيلها.

 ويقصد أتباع الأطروحة التكفيرية بتعبير “وجود المد الجهادي المبشر” وجود تنظيمات “إسلامية” أو “أفراد” قادرة على تشكيل طابور “جهادي” خامس داخل الدولة ويمكن التنسيق والتوافق معها ولو في الحد الأدنى، وهو المعطى الذي تم تسجيله بوضوح في كل من مصر وسوريا ومؤخرا في اليمن. هذا التكتيك يمكن أن يشكل هاجسا للأجهزة الأمنية والاستخباراتية في المغرب خصوصا وأن بعض المحسوبين على تيار الإسلام السياسي تتماهى أطروحاتهم مع التقعيدات الإيديولوجية للتيار السلفي الجهادي.

في نفس سياقات التحليل والرصد، وارتباطا مع النقطة التي مهدنا لها أعلاه، هناك نقطة لا تقل أهمية عن سابقتها والتي تعتبر في صلب استراتيجية الاختراق التي تعتمدها التنظيمات الإرهابية والمتعلقة بما يُصطلح عليه “طبيعة الناس في هذه المناطق“، حيث هناك وهم يسيطر على هذه التنظيمات مفاده أن الطبيعة المتدينة التي تتميز بها الشخصية الأساسية للمغاربة ستجعلهم يُقبلون على الأطروحات “الجهادية” بمجرد النجاح في اجتياز المرحلة الأولى من مراحل المواجهة مع الدولة والتي يُطلق عليها بمرحلة “شوكة النكاية والإنهاك”.

وعلى عكس ما راهن عليه تنظيم “داعش” ومن يدور في فلكه، برهن الشعب المغربي، في جميع محطات المواجهة مع التنظيمات الإرهابية، عن رفضه القاطع لجميع الأطروحات الراديكالية والتي أدت إلى تشويه الدين الإسلامي الحنيف، وهو ما عكسه الإنزال الشعبي في بعض المدن المغربية (وزان، تطوان…) للتعبير عن رفض المغاربة لمشاريع التكفير والتفجير. هذا التعبير الشعبي إن دل على شيء فإنما يدل على أن المغرب كان، ولا يزال، رمز ومرجع عالمي للتسامح بين الأديان والعرقيات في ظل تعايش جميع الطوائف الدينية على أرض المملكة وهو ما تم تتويجه بزيارة البابا فرانسيس للمغرب ولقائه بعاهل البلاد الملك محمد السادس متوجاً المغرب على عرش الأمم المدافعة عن قيم التسامح ونبذ التطرف، ومن أشد البيئات رفضا للأطروحات التكفيرية والإقصائية، لتبقى المملكة في منأى عن أخطار “التوحش الإرهابي” والأجندات التخريبية للتنظيمات التكفيرية…ولو إلى حين

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.