العسكرتارية الجزائرية والعيش على ردّ الفعل..

رئيس التحرير20 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
رئيس التحرير
قضية الصحراء المغربيةوجهة نظر
تبون يذبح الديمقراطية

تمغربيت:

محمد الزاوي*

“الحكم الذاتي هو الحل الأكثر جدية وواقعية لنزاع الصحراء المغربية”؛ هكذا نطقت الحكومة الإسبانية خاضعة لشرطين:

– شرط خارجي، وهو الأهم؛ إذ تفرز المتغيرات الدولية الحالية واقعها الجديد، وهو ما سينعكس على جميع الملفات الدولية العالقة، بما فيها ملف الصحراء المغربية. الأمريكي، أو لعله طرف بعينه في أمريكا على الأرجح، حاضر في إسبانيا بقوة. يلعب هذا الطرف ورقة إسبانيا، كما يلعب أوراقا أخرى، منها ألمانيا. وتصل به قدرته على المناورة إلى درجة اللعب بورقتين مناقضتين لبعضيهما في ملف واحد (مثال: إسبانيا وبريطانيا في العلاقة بالمغرب). لا تهم كل هذه التفاصيل، هنا، والأهم هو حصار تعيشه الإدارة الأمريكية الحالية، حصار لم تعد قادرة على اتساع دائرته فيما يتعلق بحلفائها.
“الكرونولوجيا” تفي بالإجابة في الأحداث الصغيرة أيضا، فلنتأملها إذن: عدم مشاركة المغرب في الجلسة الأممية المخصصة لإدانة روسيا، ثم الموقف الجديد لإسبانيا من قضية الصحراء المغربية، فالتأييد الأمريكي للموقف الإسباني.
لا عفوية في السياسة، إذن: ليس القرار الإسباني قرارا إسبانيا محضا. إنه قرار ميزان قوى جديد، قرار لا بد له أن يأتي، فليأت في سياق المساومة إذن.
هل سيساوم المغرب؟! أمر جد مستبعد، وقد جرى في العلاقات المغربية الصينية، ونظيرتها المغربية الروسية، ماء جديد.

– شرط داخلي، وهو متأثر بالشرط الخارجي، بل قد يحدَّد بهذا الأخير؛ طرفان في إسبانيا: طرف يمثل تركة فرانكو، وطرف آخر يجمع ذوي مصالحٍ هم على النقيض من الطرف الأول. تمتد يد “أمريكا” (طرف بعينه داخل أمريكا) داخل الطرف الأول، أي في علاقتها ببعض عناصر الجيش الإسباني، والكنيسة الكاثوليكية الإسبانية الأكثر تخلفا في أوروبا، والمجتمع المدني الأكثر تحركا وتمردا في “الحضارات البحرية”، وحزب “فوكس” اليميني المتطرف، وجزء من المخابرات… الخ. وهكذا، فمن شأن تغير ميزان القوى الدولي، أو اهتزازه على الأقل، أن يرجح كفة الطرف الثاني على حساب كفة الطرف الأول. ومن شأن ذلك، أيضا، أن يرغم “أمريكا” على سحب بعض ضغطها في الداخل الإسباني، عن طريق الطرف الأول.

أين هو المغرب من كل هذا؟
إنه حاضر في الشرطين معا:
– في الشرط الخارجي، بموقفه الأخير من “التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا”، وهو بمثابة تحذير مبطن للدول الغربية، وفي إطار سياسة خارجية تتقنها الدولة المغربية، أي التومقع الجيد في التناقضات الدولية.
– في الشرط الداخلي، بممارسة الضغط بعدد من الملفات، لعل أبرزها: ملف الهجرة، ملف سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، مصالح بعض الشركات الإسبانية في المغرب… الخ. فلا بد أنّ تقوية الطرف الثاني (على النقيض من تركة فرانكو)، كانت -وما تزال- نقطة في جدول أعمال الإدارة المغربية.

ليس معيبا في السياسة أن تتحرك بناء على رد الفعل، ولكن وجب المساهمة في الفعل أولا. بل إن الانخراط في الفعل، دبلوماسيا واقتصاديا ومخابراتيا، منذ أول وهلة، يجعل ردة الفعل جزءا من الفعل، لأنها كانت متوقعة، وكانت احتمالا من بين احتمالات.

إن الموقف السياسي الذي يحكمه رد الفعل الاندهاشي، غالبا ما يكون نتاج انفعال سيكولوجي، أكثر مما يكون نتاج قراءة ودراسة واستباق. وهذا كان ديدن وحال الجزائر في:
– موقفها من التصريح المغربي بخصوص “القبايل”.
– موقفها من الموقف الإسباني الجديد بخصوص قضية الصحراء المغربية.

عادة ما يتجاوز رد الفعل حدوده المعقولة، فتجد الإدارة الجزائرية نفسها في حيص بيص بعد مدة. ولا أدل على ذلك من انحسار موقفها في جامعة الدول العربية، وتعثر قمة الجامعة المقرر إقامتها في الجزائر. فكله كان، على الأرجح، نتيجة المواقف الارتجالية والعدائية للنظام العسكري الجزائري تجاه المغرب، وهي المواقف التي كانت محكومة بردّ فعل جزائري أغفل أن أوراق المغرب في دفاعه عن وحدته الترابية كثيرة، مهما راعى حسن الجوار وعمق العلاقات المغربية الجزائرية.

شتان، إذن، بين دولتين: دولة تنتج الفعل، ودولة تعيش على رد الفعل. فلنتأمل التاريخ مليا، سنجد أن الفرق ساشع بين: دولة عريقة أنتجتها شروط الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد منذ زمن بعيد، ودولة طارئة حالت شروط مناقضة من نفس نوع السابقة دون تأسسها زمن الأدارسة والمرابطين والموحدين… الخ.

*متخصص في العلوم الاجتماعية والإنسانية 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.