المغرب وإسبانيا : مصالح السياسة وسياسة المصالح!

الصادق بنعلال2 فبراير 2022آخر تحديث : منذ 10 أشهر
الصادق بنعلال
قضية الصحراء المغربيةوجهة نظر
المغرب وإسبانيا : مصالح السياسة وسياسة المصالح!

تمغربيت:

 الصادق بنعلال*

يشكل مفهوم “الجوار” مكونا محوريا في النسق الفكري الجيوستراتيجي والجيوسياسي على السواء، لما له من ثقل الدلالة السياسية سلما وحربا على البلدان المجاورة والمُشَكِّلة لفضاء العيش”الجماعي” المخصوص، ومن ثمة كلما كان هناك تعاطٍ راجح وعقلاني مع الأقطار المجاورة، كلما كان هناك إقلاع تنموي نوعي تشمل ثمراته مختلف مكونات هذا الفضاء البشري التعددي، كما هو الشأن في البلدان الديمقراطية المتجاورة شرقا وغربا.

وكلما كان هناك إخفاق في نسج خيوط التعاون والعمل المشترك والاحترام المتبادل بين البلدان المحاذية لبعضها البعض، وجدنا أزمات وإشكالات سياسية واجتماعية واقتصادية بالغة الحدة والتعقيد. سبب نزول هذا “الحديث” ما يقع أحيانا كثيرة بين المملكتين الإسبانية والمغربية من “سوء الفهم” وضعف “التقدير والتحليل”.

في هذا السياق، لا يساورنا أدنى شك في أن المغرب وإسبانيا مطالبان  بالتواصل والعمل والبناءِ معا، ولن يتأتى ذلك إلا عبر آليات الانفتاح الإيجابي والثقة والاحترام المتبادلين. فما مدى حضور أو غياب هذه الرؤية الاستراتيجية الفاعلة لعامل الجوار الجغرافي بين إسبانيا والمغرب؟ دون أن نبذل جهدا في الاستقراء والاستجلاء والتحليل يمكن أن نلاحظ بجلاء، أن المملكة الإسبانية دولة أوروبية حديثة العهد بالأعراف الديمقراطية، استفادت من دعم سياسي ومالي رفيع من قبل الاتحاد الأوروبي، مما مكنها من تحقيق انتقال ديمقراطي ناجح منذ أواسط السبعينيات من القرن العشرين، ونمو اقتصادي محترم قائم على الأنشطة الخدماتية والسياحية والرياضية والصناعية في حدود أدنى.

هذا الدعم والالتفاف الأوروبيين جعل جارتنا الشمالية في وضع سياسي واجتماعي مقبول إلى درجة كبيرة. غير أن علاقتها بالمغرب تستند إلى مسلكيات سياسية متجاوزة غير مطابقة لمستلزمات منطق القرن الواحد والعشرين.

فبقدر ما أن إسبانيا تحرص على حماية ترابها الوطني من مخاطر الهجرة والإرهاب والمخدرات وباقي “الأنشطة” المهددة للأمن العام والاستقرار، وتصر على مطالبة المغرب بالعمل المشترك قصد الوقوف في وجه”الزوابع” المعرقلة لأي تطور وانتقال نحو الأفضل، فإن للمملكة المغربية أيضا، وبنفس القدر، ثوابتها الوطنية ومصالحها الحيوية، التي تحتاج إلى الذود والحماية، أقلها الوحدة الترابيةا لمقدسة.

وفي هذا المنحى يفترض أن تكون إسبانيا في مقدمة الدول المدافعة عن جارها المغرب. ولسنا في حاجة إلى الإشارة إلى أن جل المؤسسات الرسمية الإسبانية والهيئات السياسية والإعلامية والنقابية، منخرطة منذ نجاح المسيرة الخضراء (1975) في إبراز السردية الانفصالية وجعلها الرواية الوحيدة في الحياة المجتمعية، مع الإزاحة والإخفاء الكليين للأطروحة المغربية، دون الحديث عن الدعاية الديبلوماسية والصحفية لحركة البوليساريو الانفصالية، والتشدد غير المفهوم أمام أي مقترح مغربي للتعاطي مع ملف المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية والجزرالتابعة لهما…فعن أي تعاون أو تنسيق مشترك تتحدث عنه الجارة الشمالية؟ ولماذا يحق لها أن تحمي حدودها من أي “اعتداء” ولا يحق للمغرب أن يضمن نفس هذه الحقوق والمطالب الاستراتيجية؟ فَلَئِن كانت السياسة بالمفهوم المتداول تعني، من جملة ما تعني، تدبير “الوقائع والممكنات والمستحيلات”، وتحويلها إلى قوة موجبة تمهد إلى استنبات مقومات التنمية والأمن والسلام، فعلى أصدقائنا الإسبان أن يضاعفوا “جهودهم” لتعزيز العلاقة مع المغرب، تكون مستندة على أسس متينة من حسن الجوار والثقة والاحترام المتبادلين بالملموس، وليس مجرد التعبير عن النوايا غير المطابقة للحقائق الواقعية. وعلى ضوء ما سبق يحسن بجارتنا الإسبانية أن تنتبه إلى أننا جميعا محكوم علينا أن نحيا في سياق جغرافي موحد ومخصوص، وعلى رغم الأصدقاء والشركاء النوعيين الذين أقمنا معهم جسور العمل المستقبلي المفصلي، فنحن في حاجة ماسة إلى جيران أقوياء وهؤلاء في حاجة استثنائية إلى مغرب قوي، مغرب اليوم حيث التطلعات والمنجزات التنموية بالغة القيمة والمكانة، ولن يرضي المغرب الراهن بأقل من الاعتراف الواضح والصريح بمغربية الصحراء، وقبول إعادة النظرة في كل ما له علاقة بالوحدة الترابية المغربية، من أجل انطلاقة واعدة ومربحة للعلاقة المغربية الإسبانية.

*إعلامي وباحث أكاديمي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليق واحد

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي تمغربيت
  • Abdelilah.R2 فبراير 2022 - 8:53

    مقال يجسد مدى الفرق الشاسع بين باحثينا الأكاديميين و الخزعبليين الجزائريين. شكرا لأستاذنا الصادق بنعلال.