برلين تستدرك وتبعث برسائل الود للملك

د. عبدالحق الصنايبي6 يناير 2022آخر تحديث : منذ 11 شهر
د. عبدالحق الصنايبي
قضية الصحراء المغربيةوجهة نظر
برلين تستدرك وتبعث برسائل الود للملك

تمغربيت:

د. عبد الحق الصنايبي

بعد أن جندت ألمانيا آلتها الدبلوماسية والسياسية والإعلامية والمخابراتية لوقف الصعود القوي للمملكة المغربية وتحولها التدريجي نحو قوة إقليمية. وبعد أن ناورت داخل أروقة الأمم المتحدة و “من وراء جدر” على الحقوق التاريخية للمملكة المغربية في الصحراء، وبعد أن اجتهدت عبثا في إقناع إدارة بايدن بالتراجع عن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء. وبعد أن علمت أن نظام العسكر في الجزائر ما هو إلى تنظيم شمولي قلق لا يمكن الاعتماد عليه أو الركون إليه أو دعمه…بعد كل هذا تعلن ألمانيا، ما بعد ميركل، عن تصحيح سلوكها السياسي بمراسلة السدة العالية بالله تطلب ود من هو أهل للود والأحق بالتقدير.

في هذا السياق، حرص الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، في رسالته للملك محمد السادس، على اختيار الكلمات بعناية خاصة وترصيعها بجميل العبارات وروائع التعبيرات حتى وإنك تعتقد، لأول وهلة، بأن فخامته تشبع بالتقاليد المخزنية في مخاطبة الملوك وأهل الجاه والفخامة والسلطان.

ودون المرور على متن الرسالة كاملة نكتفي بسرد أهم ما جاء فيها، حيث حرصت أن تشيد بعبقرية الملك وتنوه، وتُقدر وترفع من علوه وتؤكد على عظم الإنجازات وعظائم الإصلاحات التي قام بها المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس، ثم التنويه بمقترح الحكم الذاتي الموصوف بالمصداقية والجدية وأيضا الدور الإيجابي للمغرب في حل النزاعات وتدبير الأزمات ومواجهة الإرهاب ووصولا إلى دعوة جلالته لزيارة ألمانيا من أجل “إرساء شراكة جديدة بين البلدين”.

إن التوجه الجديد لبرلين كان أمرا متوقعا بالنسبة للعارفين بالتطورات التي تتحرك فوق رقعة الشطرنج الكبرى، وكذا طبيعة التحالفات والتكتلات المعقدة على المستوى الدولي. وهنا لابد من التذكير بأن ألمانيا لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم من تطور وتقدم لولا الرعايا الأمريكية والتي كان لها اليد الطولى في توجيه القرار السياسي الألماني، خاصة في فترة الحرب الباردة حيث كانت واشنطن تعتبر ألمانيا الغربية قاعدة متقدمة لمحاصرة ومواجهة المد الشيوعي الذي ينشط على الجهة الشرقية من جدار برلين.

لقد نشطت مؤسسات استخباراتية تابعة للمخابرات الأمريكية (CIA) مثل “الأمكومليب” وأخرى دينية مثل “مسجد ميونيخ” في التدبير والتخطيط للإطاحة بعرش الاتحاد السوفياتي، وكل ذلك بتدبير من الساسة الأمريكيون وبتنفيذ من أذرعهم المتواجدون في برلين. وحتى بعد سقوط الجدار، ظلت الإدارات الأمريكية تعتبر ألمانيا فاعلا جيوستراتيجيا يجب دعمه لوقف أي تمدد مرتقب لروسيا، وبذلك نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في فرض ألمانيا كأول قوة سياسية واقتصادية في أوروبا على حساب بلاد نابليون، والتي لازالت ترفض أن تكون رقم اثنان في القارة العجوز.

إن القوة الاقتصادية للمغرب، والفرص الاستثمارية الخيالية التي يوفرها، بالإضافة إلى استقراره السياسي وحسن تدبيره للأزمات الكبرى، بالإضافة إلى تهافت القوى الكبرى لكسب وده وربح ثنائه، كلها عوامل دفعت برلين إلى القيام بمراجعة شاملة لمواقفها، وفق قراءة واقعية تروم تصحيح المسار وتجاوز القراءات الاستراتيجية الكلاسيكية التي تركب على نظرية توازن القوى لإيجاد موطئ قدم للضغط على الدول المتنازعة.

لقد فهم الألمان بأن التعامل مع دار السلطان له تقاليد وأصول وعنوان، وبأن الإمبراطوريات لا يمكن إخضاعها بالمناورة والتهديد والتدبير الخبيث، وإنما بإعلاء الشأن وحسن المتن ومراعاة الأدب والاعتبار للنسب، وهو ما يدفع الكرام أبناء الأكرمين إلى الرد بالمثل والمكافأة والجزل وبناء شراكات اقتصادية قوية تكون باكورة توافقات سياسية يتم التعبير عنها بالتصريح لا بالتلميح، وهو ما يجعلنا ننتظر موقفا أكثر قوة من الألمان بخصوص قضية الصحراء المغربية إذا ما أرادوا لهم الاستثمار ولنا الاعتراف والازدهار وكل ذلك ضمن مقاربة “رابح-رابح”.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.