تقوية العقيدة الوطنية في مواجهة استقطابات التنظيمات الإرهابية (3)

د. عبدالحق الصنايبي16 مارس 2022آخر تحديث : منذ 9 أشهر
تقوية العقيدة الوطنية في مواجهة استقطابات التنظيمات الإرهابية (3)

تمغربيت:

د. عبد الحق الصنايبي*

من هذه المنطلقات، نجد بأن الشرع الإسلامي لم ينفي الأساس الوطني أو تجاهله، ولكنه قام بتقويمه وتعديله، وحدد للمسلم معالم راقية للانتماء تلبي ذلك الدافع النفسي المنبعث من داخله، وتحفظه من بعض المنزلقات التي من الممكن أن يؤدي إليها إنكاره لهذا البعد القيمي العظيم.

ولعل هذا التقعيد الفقهي الوطني الذي وقفنا على ما يؤيده عند كبار علماء الإسلام، لم يجد طريقه إلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لتحقيق ذلك التوازن الاستقطابي مع خطابات التنظيمات التكفيرية، وهو ما يدفع إلى ضرورة المساهمة في إخراج هذه الكتابات إلى حيز التداول الإعلامي، قصد تكريس عقيدة الوطن في نفوس الناشئة في البيت والجامعة مرورا بالمدرسة والإعدادية والمجتمع المغربي ككل.

وننتقل إلى بسط المزيد من التأصيلات التي تقدم بها أئمة العلم المتقدمين من المسلمين، ونرصد لأهم التوصيفات التي تناولوا من خلالها عقيدة “الوطن”، كمحدد للولاء والانتماء. وهنا نجد الإمام ابن الجوزي (رحمه الله)، الذي كان يحضر مجلسه في بغداد حوالي 100 ألف طالب علم وتوفي سنة 1116م، يقول في كتابه “مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن” ما نصه: “والنفس أبداً تنازع إلى الوطن…والأوطان أبداً محبوبة”[1]

وفي نفس السياق، يربط بعض علماء الإسلام ما جاء في الآية الكريمة من سورة النساء، حيث يقول جل وعلا “وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ *** وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا”[2]، بقيمة الوطن عند الإنسان، عندما يقرن الله تعالى بين قتل النفس وفراق الوطن. وهنا يقول فخر الدين الرازي عند تفسيره للآية: “جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس”[3]. ويُستدل من تفسير الرازي بأن فراق الأوطان أمر صعب جدًّا يساوي ألم قتل النفس، مما يدل على أن التعلق بالوطن وحبه أمر عميق في النفس. وقال العلامة الملا علي القاري: “ومفارقة الأوطان المألوفة التي هي أشد البلاء، ومن ثم فُسِّر قوله تعالى: “وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ”[4]، بالإخراج من الوطن، لأنه عقَّب بقوله: “وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ”[5].

وبالبحث في نصوص السنة النبوية الشريفة، نجد إشارات قوية تدل على ترسُّخ غريزة حب الوطن عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث روى البخاري، وابن حبان، والترمذي من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفرٍ، فنظر إلى جُدُران المدينة، أوضع راحلته، وإن كان على دابة حركها من حبها[6]. ويعتبر هذا الحديث تصرف نبوي يعبر عن طبيعة المشاعر النبوية الشريفة اتجاه المدينة وحنين القلب إلى الوطن ونزوع الفؤاد إليه. ولذلك قال الحافظ ابن حجر “وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه”[7].

وفي نفس الاتجاه صار العلامة الحافظ الذهبي في موسوعته “سير أعلام النبلاء” فيما يرويه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: “وكان يحب عائشة، ويحب أباها، ويحب أسامة، ويحب سِبطيه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أحد، ويحب وطنه، ويحب الأنصار، إلى أشياء لا تحصى مما لا يغني المؤمن عنها قط”[8]. وهناك مجموعة من الأحاديث النبوية تقطع بمشروعية حب الأوطان والوفاء لها والدود عنها.

من خلال ما تقدم، يتبين إلى أي حد ارتقى علماء الإسلام بقيمة الوطن، وراكموا على مدى قرون عديدة كتابات تحث على الارتباط بالأرض وفرضوا لذلك ضوابط تمتح من صميم الشريعة الإسلامية، وجعلوها جزءا أصيلا من البنية السلوكية للإنسان. ولعل هذه التقعيدات تفرض على مؤسسات المملكة وتشكيلاتها الحزبية والإعلامية والمجتمع السياسي والمدني، التشبع، أولا بهذه المبادئ، ومن ثم العمل على ترويجها وتلقينها للمواطن المغربي، قصد تحصينه من تيارات التكفير والتي ترتكز تكتيكات الاستقطاب والتجنيد عندها، على ضرورة تحطيم رابطة “الوطن” في البناء السلوكي للفرد كمقدمة لتوجيهه نحو تبني عقيدة “الهجرة” والالتحاق بأرض “الخلافة” بناءا على تأويلات شاذة لمفاهيم الوطن في الدين الإسلامي.

[1] – جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن “ابن الجوزي”: “مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن”. ص 34

[2] – سورة النساء، الآية 66

[3] – فخر الدين الرازي: تفسير سورة النساء. http://www.al-eman.com/%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%B2%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1/s4&t14&p22

[4] – سورة البقرة، الآية 191

[5] – الملا علي القاري: ” مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح”. الجزء السابع، ص 582

[6] – انظر على سبيل المثال كتاب “فتح الباري شرح صحيح البخاري” لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني. كتاب “العمرة”، باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة (الحديث رقم 1708).

[7] – ابن حجر العسقلاني. المرجع السابق.

[8] – محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: “سير أعلام النبلاء”. الجزء 15، ص 392

*خبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.