معركة وادي المخازن: يوم أذل المغاربة البرطقيز (3)

مصطفى البختي5 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 7 أشهر
مصطفى البختي
تمغربيتقضية الصحراء المغربيةوجهة نظر
معركة وادي المخازن: يوم أذل المغاربة البرطقيز (3)

تمغربيت:

ذ. مصطفى البختي*

بدأت المعركة بقصفٍ مدفعيٍّ متبادلٍ قتل فيه أحد أهم القادة العسكريين وشخصية محورية في الجيش البرتغالي الإنجليزي توماس ستاكلي Thomas Stucley؛ (أحد المشاركين سابقًا في معركة ليبانتو Lipanto ؛ التي انتصر فيها الصليبيُّون على العثمانيِّين عام 1571م). ولقد أدى سقوط ستاكلي إلى انهيار معنويات الغزاة.

لقد شكلت قيادة أحمد المنصور (أبو العباس) لجيوش الدولة السعدية نموذجا في تدبير المعركة بالنظر إلى عبقريته الفذة؛ حيث قام بالتصدي لمقدمة ومؤخرة الجيش البرتغالي، تحت الخطة الحكيمة للسلطان عبد الملك لقادة دولته؛ كأبي علي الگوري، والحسن العلج، ومحمَّد أبي طيبة، وعلي بن موسى؛ والعلامة أبي المحاسن يوسف الفاسي الذي ساعد في بعث روح التفاف القبائل والزوايا حول قيادة الملك للتصدي للغزو الإيبيري الذي أصيب بالهلع والإنهيار رغم تفوقه في العدد والعتاد؛ مما ألحق به هزيمة نكراء؛ فتساقطت قواته صرعى، بعد أن تم قطع طرق تموين الغزاة وإمداده؛ وهرب الباقي بإتجاه قنطرة نهر وادي المخازن، التي نسفها المغاربة بأمر السلطان، فغرق من غرق، وأُسر من أُسر، وقُتل من قُتل.

لن تقف معاناة الغزاة عند هذا الحد، فقد استطاع الفرسان المغاربة تطويق الجيش البرتغالي، ومنعتهم الخيالة المغربية من أيِّ فرصةٍ للفرار؛ وقتل/صُرع سيباستيان؛ ووجدت جثته طافية على الماء؛ ووقع المتوكِّل رمز الخيانة غريقاً في وادي المخازن بعد أن حاول الفرار شمالاً. وأثبت المغاربة أن أرض المغرب هي مقبرة للغزاة.

ومات في هذه المعركة ثلاثة ملوكٍ،:
– «سبستيان» ملك البرتغال،
– والملكٌ المخلوعٌ الخائنٌ «محمَّد المتوكِّل»
الذي كان فارا إلى سبتة، ثم دخل طنجة مستنجدا بملك البرتغال سبستيان، بعد أن رفض ملك إسبانيا فيليب الثاني مساعدته؛ وتعهد بالتنازُل له عن الشواطئ المغربية، لقاء الحماية ومساندته. للفتك بعمه.
– والملك عبد الملك المعتصم بالله الذي توفي مريضا قبيل اندلاع المعركة.

هذا الإنتصار المشهود؛ لم يهضمه المؤرخ المتشدد للعقلية الإستعمارية؛ “هنري تيراس” حين قال:
“إنَّ انتصار المغرب على البرتغال في معركة واحدة خوَّله سُمعة دولة كبيرة، فربطت البلاطات الأوروبيَّة العلاقات معه وطلبت – في بعض الأحيان – مساندته، وقد استفاد أبو العباس أحمد من هذه الملحمة حيث كان لمعركة الملوك الثلاثة أثرها في إضفاء الأمجاد على الدولة السعدية، حتَّى في وقت تدهورها”.

إنه إنتصار تاريخي وصلت أنباءه سائر أصقاع العالم؛ وأكد على الوجود السياسي والعسكري القوي للدولة السعدية في شمال أفريقيا؛ التي أسقطت الإمبراطورية البرتغالية؛ ومحت هذه المعركة البرتغال من على خريطة العالم لمدَّة ستِّين سنة؛ حيث احتلت إسبانيا البرتغالَ وتهاوت تحت الملكية الإسبانية عام 1580م؛ وورثت ممتلكاتها إلى غاية 1640م.

وأصبحت تعرف هذه المعركة في التاريخ البرتغالي بالسيباستيانية Sebastianism، كتعبير عن إنهيار الإمبراطورية البرتغالية في عهد الملك سيباستيان.

ارتفع نجم الدَّولة السَّعدية في آفاق العالم، وأصبحت دول أوربا تطلب ودَّها، واضطرَّ الملك الجديد للبرتغال وإسبانيا أن يرسل وفوداً محمَّلةً بالهدايا الثَّمينة. ثم قَدِمت وفود السلطان العثماني مراد خان الثالث مهنِّئةً، ومباركة، ومعهم هداياهم الثمينة، ونفس الأمر لملك فرنسا، وباقي الإمارات والممالك في سائر الأقطار؛ مهنِّئين ومباركين للشَّعب المغربيِّ نصرهم العظيم لكسب الوُدِّ والصداقة وحسن الجوار.

أصبح سلطان المغرب بعد عبد الملك؛ أخوه أحمد المنصور الذَّهبي (أبو العباس)، وبويع بعد هذا الإنتصار المشهود/التاريخي بملحمة وادي المخازن؛ وفقا لوصية أخيه المتوفى الملك عبد الملك؛ لمواجهة أي فراغ في السلطة؛ جاء فيها:
“فاعلم أني لا أحبّ أحدا بعد نفسي محبتي لك، ورغبتي في انتقال هذا الأمر بعدي إلا إليك لا لغيرك”.

بلغ المغرب كقوة سياسية وعسكرية في عهد أحمد المنصور الذهبي حدود نهر السنيغال (غينيا الحالية)؛ جنوباً؛ وضم إمبراطورية سونغاي. وشرقاً وصوله السودان الغربي.

وهكذا تبقى معركة وادي المخازن إحدى أمجاد وبطولات المغرب المجيدة شاهدة على عراقة الدولة الأمة وذكرى أليمة لمن يعتقد أن الإمبراطوريات يمكن أن تموت يوما ما…بل إنها تبعث من تحت الأنقاض لتزأر في وجه أنظمة الشرق والشمال منبئتهم بأن مجد المغرب قادم بقوة وتلك الأيام نداولها بين الناس.

*متخصص في ملف الصحراء المغربية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.