تمغربيت:
بقلم ذ. خالد عنوز
تعدّ سياسة الأمن الغذائي في جوهرها ميزان ذهب لا يحتمل الاختلال، بل تقتضي استشرافا عميقا يحمي الجبهة الداخلية من صدمات الأسواق. وفي هذا السياق، جاء القرار الاستثنائي الذي اتخذته الحكومة المغربية القاضي بتجميد منح تراخيص تصدير جديدة للمنتجات الفلاحية نحو العمق الإفريقي، ليعكس جرأة في مواجهة غلاء المعيشة وتقديم الأولوية المطلقة للمواطن المغربي.
لم يكن هذا الإجراء مجرد رد فعل عابر، بل هو صرخة اقتصادية واعية تنطلق من مبدأ أن سيادة الغذاء واستقرار القدرة الشرائية هما الحصن الأخير الذي لا يمكن التساهل في حمايته، خصوصا في ظل تقلبات مناخية، وأوضاع دولية، وتحديات معيشية أرهقت كاهل الأسر المغربية.
إن توجيه بوصلة الوفرة الفلاحية نحو الداخل بصفة مؤقتة يهدف إلى إحداث صدمة إيجابية في توازن العرض والطلب، بغية كبح جماح الأسعار التي حلّقت عاليا في الأسواق الوطنية.
غير أن هذا الاختيار السيادي يضع صانع القرار أمام معادلة بالغة الدقة؛ فتأمين السوق المحلية ضرورة قصوى، لكن الحفاظ على الجسور التجارية التي بناها المغرب بسواعده الفلاحية ومقاولاته مع البلدان الإفريقية الشقيقة هو الآخر رهان استراتيجي لا غنى عنه. فالتصدير ليس مجرد أرقام تسجل، بل هو شريان دبلوماسي واقتصادي متين يربط المملكة بمحيطها القاري.
من هنا، ينبغي أن ينظر إلى هذا القرار باعتباره استراحة مقاتل أو إجراء جراحيا عاجلا لتصحيح مسار الأسواق الداخلية، لا كخيار نهائي أو نهج قطيعة. فالطريق الأمثل يكمن في خلق آليات رقابية ذكية وديناميكية تضمن وفرة المنتجات بأسعار عادلة في الأسواق الداخلية، مع ضمان انسيابية الصادرات فور استقرار الميزان الغذائي.
إنها محطة توقف ضرورية لإعادة الضبط، تليها انطلاقة أوسع نحو استدامة تنموية تحمي المنتج والمستهلك معا، وتصون مكانة المغرب الإقليمية بكل اقتدار وثبات.





![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":false,"containsFTESticker":false}](https://tamaghrabit.com/wp-content/uploads/2024/12/Picsart_24-12-10_19-00-50-100.jpg)