طبول الحرب في الخليج: بين مخاوف ابن سلمان واستراتيجيات آل نهيان

الأربعاء 31 ديسمبر 2025 - 19:12

تمغربيت:

لم يكن أشد المتشائمين يتوقع أن يصل التصعيد بين الرياض وأبو ظبي إلى حد إعلان حرب  (غير معلنة رسميا) بين الطرفين.. خاصة بعد استهداف الطيران العسكري السعودي لمجموعة من المركبات الإماراتية التي كانت راسية في ميناء المكلا اليمني.

والأمر لم يقف عند هذا الحد، بل صعدت الخارجية السعودية من خطابها اتجاه الإمارات، وطلبت من أبو ظبي مغادرة اليمن في أجل أقصاه 24 ساعة. ولو أن التحذير تمت نسبته لطلب من الجمهورية اليمنية، إلا أن واقع حال يؤكد بأن القرار اتخذ في الرياض، في تصعيد خطير لم يسجل في تاريخ العلاقات بين البلدين.

تقدين لابد منه

هنا في المغرب، نحاول مقاربة التصعيد بعيون باردة ولكنها قلقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولتين أياديهما بيضاء على المملكة المغربية وكانت نعم السند والظهر والظهير للقضية الوطنية الأولى.. وهو ما جسدته المشاركة الفعلية للبلدين في المسيرة الخضراء المظفرة.

وبالانتقال من بوابة التعليق إلى نافذة التحقيق، نطرح مجموعة من الأسئلة المرتبطة بأبعاد هذا التصعيد الخطير؟؟ وما هو مستقبل العلاقات السعودية الإماراتية، في ظل اختلاف و “تناقض” وجهات النظر بين الطرفين، حتى لا يكاد يجتمعان على توجه واحد في ملف واحد ؟؟ وما الذي وقع حتى تلوح المملكة العربية السعودية بحرب مفتوحة على الإمارات تحت مبررات تتجاوز البيانات، وحسابات لا تخفيها الكلمات؟؟  

زيدان: ليست هناك إرادة لتهديد السعودية

أمين زيدان الباحث في الأمن الاستراتيجي وتدبير النزاعات أكد ل “تمغربيت” بأن الوضع بين الرياض وأبو ظبي جد معقد، ولا علاقة له بأي تهديد مزعوم على الأراضي السعودية. وأكد زيدان بالقول “من هذا العاقل الذي يصدق أن الإمارات أو المجلس الانتقالي يمكنهما أن يفكرا حتى في استهداف الأمن القومي للمملكة العربية السعودية؟”. ولكن واقع الحال، يؤكد ذات الخبير، بأن الأمر أكبر من رقعة الشطرنج اليمنية، ليشمل المنطقة برمتها. ففي اليمن، تدفع أبو ظبي بأن أية معادلة أحد أطرافها الإخوان المسلمون هي معادلة خاسرة.. وبأن ما يجمع الإخوان وإيران أكبر مما يفرقهما، وبالتالي اتجهت الإمارات نحو الجنوب، حيث يوجد شعب يحن إلى الانعتاق من “وحدة” خيطت على المقاس وتبرأ منها حتى الموقعون عليها.

وهناك، يضيف أمين زيدان، نجحت التحالف العربي في تحرير الجنوب، بإسناد جوي سعودي ومشاركة برية إماراتية، بل وتمكن الجنوبيون من دحر الحوثي في 25 يوما.. وهو ما فسح المجال لإمكانية عودة الدولة الجنوبية إلى المجتمع الدولي ولتكسب الإمارات حليف استراتيجي غني بالموارد الطاقية ويطل على خليج عدن وعلى مقربة من باب المندب وتمر عبره 35 بالمائة من التجارة الدولية.

فشل الشرعية

على الجانب الآخر، يضيف نفس المتحدث، فشلت الشرعية في الشمال فشلا كبيرا في دحر الحوثي، وتبين بأن الشرعية اليمنية، التي راهنت عليها الرياض هي شرعية من ورق، ولم تحرر مترا واحدا منذ 10 سنوات، بل وازدادت شوكة الحوثي، والذي أصبح خطرا حقيقيا، بعدما فشل القصف الجوي الأمريكي والإسرائيلي في إخضاعه وضرب قدراته العسكرية بشكل حاسم.

إذا الأمر يتعدى تهديدا للأمن القومي السعودي بقدر ما هو تعبير عن مقاربتين مختلفتين: فشلت إحداهما في الشمال حيث ازداد الامر تعقيدا، ونجحت الأخرى في الجنوب حيث أسست لعودة كيان حليف وقوي ويمتلك مؤشرات التطور السياسي والاقتصادي. ومن المستبعد إخضاعه من خلال الحلول العسكرية الخشنة.

وختم ذات الخبير بالتعبير عن تخوفه من طي التحالف العربي لصفحة تحرير الشمال لتوجيه “الشرعية” ومعهم الإخوان نحو إعادة إخضاع الجنوب، وهو ما يعتبر مغامرة غير محسوبة العواقب خاصة وأن هناك شرطين لفشل هذه الحملة بمنطق البارون دي جوميني والذي أكد في كتابه “مختصر فن الحرب” أنه “لا يمكن إخضاع شعب يمتلك إرادة جماعية وعقيدة قتالية وجيش منظم”.

الرياض ترفض تعويضها بأبو ظبي

من جانبه أكد د. سعيد الصفصافي المتخصص في شؤون القرن الإفريقي ل “تمغربيت” بأن ردة الفعل السعودية ناتجة على تغيير كبير في موازين القوى في منطقة الخليج العربي، والذي ترى فيه الرياض مجالها الحيوي وهي الفاعل الجيوستراتيجي الرئيسي في منطقة بأربعة أضلاع (السعودية، تركيا، إيران وإسرائيل).

ويرى الصفصافي بأن السعودية ترى بأن أبو ظبي تسعى لتعويض الرياض في المنطقة، خاصة وأن الأخيرة لم تُحسن تدبير الملفات الكبرى في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط. ويضيف المتحدث ذاته بأن الرياض ربما خسرت بعض مسارح العمليات لفائدة أبو ظبي. حيث تحول الملف اليمني إلى مستنقع قد يصعب تدبيره من طرف الرياض لوحدها، وأيضا الملف السوداني الذي غابت فيه المقاربة الجماعية إلى محاولة إخضاع طرف على حساب طرف، حيث تدعم الرياض جيشا مشكوكا في مشروعيته وتتقاسم المكاسب الاستراتيجية مع 7 دول على الأقل تدعم جيش البرهان بالعتاد والسلاح في مواجهة قوات الدعم السريع المقربة من أبو ظبي.

مسرح العمليات الثالث الذي ربما خسرته السعودية، يضيف سعيد الصفصافي، هو الصومال حيث خطفت الإمارات استثمارات استراتيجية في إقليم أرض الصومال، وهو الإقليم الذي يتميز بموقع جغرافي متميز استراتيجيا وهادئ أمنيا مقارنة مع البيئة الصومالية المتهالكة إن لم نقل فاشلة.

 أرض الصومال التي تطل على بحر العرب وخليج عدن، وتتحكم في دخول وخروج الملاحة العالمية من وإلى البحر الأحمر عبر باب المندب. ويبدو أن مركز الإمارات في الإقليم قد تقوى بعد اعتراف إسرائيل بمن تطلق على نفسها “جمهورية أرض الصومال”، وهو ما شكل “حصانة أمنية وعسكرية” للاستثمارات الإماراتية في الإقليم، خاصة وان أبو ظبي ساهمت في تدريب قوات محلية وعززت من قدراتها في مكافحة الإرهاب.

مراقبة المضايق.. الرهان الوجودي

وختم الصفصافي بالقول بأن الإمارات نجحت في تنزيل ما يمكن أن نطلق عليه “استراتيجية مراقبة المضايق”  StraitControl Strategy، وكانت ذكية في رهانها على أحصنة رابحة (اليمن الجنوبي/المجلس الانتقالي، أرض الصومال..)، واستطاعت ان تكون اللاعب الأول والفاعل الرئيسي مع حلفائها، وذلك على عكس المملكة العربية السعودية، والتي غالبا ما تدخل مع طرف تتقاسمه المطامح والمصالح (اليمن الشمالي : إيران، تركيا، قطر، الإخوان…) و (السودان: إيران، إثيوبيا، مصر، تركيا، روسيا، قطر، إيريتيريا..).

وفي الختام يمكن القول، بأن خروج القوات الإماراتية من اليمن معناه أن تتحمل المملكة العربية السعودية وحدها تكلفة حرب ثلاثية الأهداف: القضاء أو على الأقل تقليم القدرات العسكرية للمجلس الانتقالي، مكافحة توحش التنظيمات الإرهابية ودحر الحوثي، بالإضافة إلى الاستغلال المؤقت للتنظيم الإخواني ممثلا في حزب الإصلاح، والذي أثبت قدرات هائلة لا على المواجهة وإنما على المناورة فقط. ونجح في استدامة الدعم السعودي وتفادي مواجهة الحوثي ومحافظته على مسافة آمنة من إيران.

 وتبقى الأهداف التي سطرتها السعودية في اليمن بعيدة المنال في ظل انهيار التحالف العربي والذي لم يبقى منه إلا الاسم وحساب على منصة إكس أعيد تفعيله بالأمس.. وفي ظل مستنقع يمني أثبتت التجارب بأن مداخل التحكم فيه هي تنقيته أولا من العناصر التي ساهمت في تعكيره (الإخوان، الشرعية، الحوثي)، قبل التفكير في تحريره ثانيا ثم الانتصار للشرعية أو عدالة القضية الجنوبية ثالثا.

تابعوا آخر الأخبار من تمغربيت على Google News تابعوا آخر الأخبار من تمغربيت على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من تمغربيت على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الخميس 19 فبراير 2026 - 17:19

الفيضانات في المغرب تكشف كفاءة الدولة وتطرح أسئلة حول غياب الأحزاب

الإثنين 16 فبراير 2026 - 23:26

حكرونا الماريكان أ خاوتي: ترامب يصفع نظام الجزائر بتخفيض التمثيل الأمريكي

الأحد 15 فبراير 2026 - 18:19

انطلاق رحلة العودة لساكنة القصر الكبير وسقوط سردية “التهجير القسري”

الأحد 15 فبراير 2026 - 02:06

الإعلامي جمال اسطيفي.. هذا هو خليفة الركراكي