عبدالحق الصنايبي مدير موقع تمغربيت مدير موقع تمغربيت عبدالحق الصنايبي تمغربيت... وطن يجمعنا موقع للدفاع عن كل ما هو مغربي زوروا الموقع tamaghrabit.com

إفريقيا في حسابات القوى الكبرى: تعدد الشراكات وأزمة الاستقلال الاستراتيجي

29 أكتوبر 2026
إفريقيا في حسابات القوى الكبرى: تعدد الشراكات وأزمة الاستقلال الاستراتيجي
إفريقيا في حسابات القوى الكبرى: تعدد الشراكات وأزمة الاستقلال الاستراتيجي

تمغربيت:

بقلم د. الشرقاوي الروداني

لم يسبق لإفريقيا أن حظيت بهذا القدر من الاهتمام الدبلوماسي والاستراتيجي من القوى الدولية. فهناك القمة الصينية الإفريقية، والقمة الأمريكية الإفريقية، والقمة الروسية الإفريقية، والقمة الفرنسية الإفريقية، فضلاً عن الشراكات الأوروبية والتركية واليابانية والهندية. لكل قوة منصتها، وأجندتها، وشبكة مصالحها، وتصورها لموقع القارة في التوازنات الدولية. ومع ذلك، تظل إفريقيا، رغم تعدد هذه الأطر، عاجزة في كثير من الأحيان عن التحدث بصوت استراتيجي موحد، أو فرض أولوياتها على جدول أعمال الشراكات التي تنخرط فيها. إنها مفارقة قارة يتزايد وزنها في حسابات العالم، بينما لا تزال قدرتها على توجيه تلك الحسابات محدودة. 

في هذا السياق، لا تكمن المشكلة في تعدد الشركاء، بل في غياب تصور إفريقي جامع يحدد طبيعة العلاقة مع القوى الخارجية، خصوصاً في المجالات التي تمس الأمن والسيادة والموارد الاستراتيجية. فالدول الكبرى لا تأتي إلى إفريقيا بدافع التعاون المجرد، وإنما تتحرك وفق تقديرات دقيقة لمصالحها، سواء تعلق الأمر بالمعادن الحيوية أو الطاقة أو الممرات البحرية أو الأسواق أو المواقع العسكرية. وقد أصبح الوجود في إفريقيا جزءاً من حسابات القوة العالمية، لا مجرد امتداد للسياسات التقليدية للمساعدة والتنمية. 

في هذا الإطار، تنعقد القمة الروسية الإفريقية الثالثة في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ داخل القارة، خصوصاً في الساحل وغرب إفريقيا والقرن الإفريقي. وتجد موسكو في هذه التحولات فرصة لتوسيع حضورها السياسي والعسكري، مستفيدة من تراجع النفوذ الفرنسي في دول الساحل الأفريقي وجنوب الصحراء ومن رغبة حكومات إفريقية في مراجعة علاقاتها الأمنية التقليدية. غير أن السؤال الذي يستحق الاهتمام يتجاوز قدرة روسيا على توسيع انتشارها، إلى طبيعة التوازنات التي يمكن أن ينتجها هذا الحضور، ومدى انسجامها مع المصالح الأمنية و الاستراتيجية بعيدة المدى للدول الإفريقية. 

من الساحل إلى البحر الأحمر… الجغرافيا الأمنية التي تختبر حدود النفوذ الروسي و الغربي:

لا يمكن فهم التحولات الأمنية في إفريقيا من خلال قراءة موحدة للتهديدات. فالساحل والصحراء يشكلان مجالاً جغرافياً تتداخل فيه هشاشة الحدود مع ضعف المؤسسات وانتشار اقتصاديات التهريب والجريمة المنظمة. وقد استفادت الجماعات الإرهابية من هذه البيئة لتطوير قدرتها على الحركة والتجنيد والتمويل، حتى أصبحت بعض المناطق تخضع عملياً لترتيبات أمنية واقتصادية تفرضها التنظيمات المسلحة خارج سلطة الدولة. كما وجود قوى محدثة للفوضى دون الدولة منتشرة في شتى أنحاء القارة يضفي على المشهد الجيوسياسي ضبابيّة في التصورات المستقبلية. 

وتكشف تجربة مالي وبوركينا فاسو والنيجر أن التهديد الإرهابي لم يعد مرتبطاً فقط بالسيطرة على مواقع جغرافية معزولة. فقد تطورت أساليب التنظيمات المسلحة و الجماعات الارهابية نحو استهداف طرق الإمداد، ومحاصرة المراكز الحضرية، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية، واستنزاف القوات النظامية. وهي استراتيجية تستهدف قدرة الدولة على الاستمرار في ممارسة وظائفها قبل استهداف وجودها العسكري المباشر. 

أما في شمال إفريقيا، فتخضع المعادلات الأمنية لحسابات مختلفة ترتبط بالتوازنات المغاربية والمتوسطية وبمستقبل الدولة الليبية. وتظل ليبيا نموذجاً لتداخل الانقسامات الداخلية مع التدخلات الخارجية، حيث لم يؤد تعدد الشركاء العسكريين والسياسيين إلى قيام سلطة موحدة قادرة على احتكار القوة. 

وفي القرن الإفريقي، تتخذ المنافسة أبعاداً أكثر تعقيداً. فالبحر الأحمر وباب المندب أصبحا من المجالات الحساسة في الأمن البحري الدولي، حيث تتقاطع حسابات الدول المطلة على الممرات البحرية مع مصالح القوى الخليجية وتركيا والصين والولايات المتحدة وروسيا. ومن يقرأ هذه الجغرافيا يدرك أن السيطرة على الموانئ وخطوط الإمداد ومواقع الإسناد البحري قد تمنح نفوذاً يتجاوز بكثير حجم الوجود العسكري المباشر. 

ضمن هذه الخريطة، تقدم روسيا نفسها شريكاً أمنياً قادراً على توفير التسليح والتدريب والمساندة العسكرية دون الاشتراطات السياسية التي ارتبطت ببعض الشراكات الغربية. وقد وجدت هذه المقاربة قبولاً لدى حكومات تسعى إلى تنويع مصادر دعمها العسكري وإعادة ترتيب علاقاتها الخارجية. 

لكن التجربة تفرض التمييز بين القدرة على إسناد العمليات العسكرية والقدرة على إنتاج استقرار سياسي مستدام. فاستعادة موقع عسكري أو تنفيذ عملية ضد جماعة مسلحة لا تعني بالضرورة استعادة سلطة الدولة على المجال المحيط به. وقد أثبتت تجارب مكافحة الإرهاب أن التنظيمات المسلحة تستطيع امتصاص الخسائر العسكرية وإعادة الانتشار عندما تبقى شبكات التمويل والتجنيد والاقتصاد غير المشروع قائمة. 

وهنا تظهر حدود المقاربة الروسية التي تمنح أهمية كبيرة للأدوات العسكرية وللعلاقات المباشرة مع السلطة القائمة. فهذه الأدوات قد تستجيب لحاجات أمنية عاجلة، لكنها لا تكفي لمعالجة التصدعات المحلية أو إعادة بناء المؤسسات المدنية والأمنية التي يقوم عليها استقرار الدولة. ولعل في تجربة الصراع في أفريقيا الوسطى بين لسيليكا و الأونتي بلاكا للدليل على محدودية المقاربات. 

وليس الغرب في موقع يسمح له بتقديم تجربته باعتبارها نموذجاً ناجزاً. فقد كشفت العمليات الفرنسية في الساحل، رغم الإمكانات العسكرية والاستخباراتية التي سخرت لها، عن صعوبة تحويل النجاحات التكتيكية إلى نتائج سياسية مستقرة. كما أظهرت برامج التدريب والدعم الغربية أن بناء وحدات عسكرية مجهزة لا يضمن بناء دولة قادرة على إدارة أمنها إذا ظلت المؤسسات ضعيفة والشرعية السياسية محل نزاع. 

والواقع أن روسيا والغرب يتحركان وفق مصالحهما الوطنية، وإن اختلفت أدواتهما وأساليب تدخلهما. فموسكو تنظر إلى إفريقيا ضمن حساباتها المتعلقة بمكانتها الدولية وقدرتها على توسيع شراكاتها إلى جانب هامش المناورة في ملفات إقليمية ودولية، بينما تتعامل القوى الغربية مع القارة من زاوية الأمن والهجرة والطاقة والمنافسة الاقتصادية والنفوذ السياسي. والخطأ الذي يمكن أن ترتكبه بعض العواصم الإفريقية هو الاعتقاد بأن تغيير الشريك الخارجي يكفي لتغيير طبيعة المعادلة الأمنية الداخلية. 

إفريقيا بين التنافس الدولي وضرورة استعادة المبادرة الاستراتيجية:

لم يعد الصراع على إفريقيا محصوراً في مناطق النفوذ التقليدية. فالمنافسة أصبحت تشمل المعادن الاستراتيجية، وسلاسل القيمة الصناعية، والموانئ، والممرات اللوجستية، والبنيات الرقمية، ومصادر الطاقة. وتحتل القارة موقعاً متقدماً في هذه الحسابات، خصوصاً مع تنامي الطلب العالمي على المواد الضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية والتحول الطاقي. 

وقد أصبحت الجغرافيا الاقتصادية إحدى أدوات النفوذ السياسي. فالدولة التي تتحكم في تمويل ميناء أو تشغيل ممر تجاري أو توفير منظومة اتصالات استراتيجية تستطيع التأثير في خيارات شركائها، حتى دون امتلاك قاعدة عسكرية على أراضيهم. ولذلك، فإن قراءة النفوذ الدولي في إفريقيا من خلال صفقات التسليح وحدها لم تعد كافية لفهم التحولات الجارية. 

وتواجه الدول الإفريقية هنا مسألة تتعلق بطبيعة السيادة نفسها. فالسيادة القانونية تمنح الدولة حق اتخاذ القرار، لكن الاستقلال الاستراتيجي يتوقف أيضاً على امتلاك الوسائل الضرورية لتنفيذه. وقد تجد دولة نفسها حرة سياسياً في اختيار شركائها، لكنها مقيدة عملياً بمصادر تسليحها أو منظوماتها الاستخباراتية أو شبكات تمويل اقتصادها. وهنا يمكن الحديث عن السيادة الوظيفيّة الموجهة، او التي تنقص من مستوى الاستقلال القرار الاستراتيجي . 

ومن هذا المنظور، فإن تنويع الشراكات مع روسيا والصين والولايات المتحدة وأوروبا يمكن أن يمنح الدول الإفريقية هامشاً أوسع للمناورة والتفاوض. غير أن هذا الهامش يظل هشاً ما لم يصاحبه تطوير للقدرات الوطنية في التصنيع والتكنولوجيا والتكوين والاستخبارات. 

وتبرز أهمية إعادة التفكير في العلاقة بين الأمن والجغرافيا الاقتصادية، خصوصاً في دول الساحل التي تعاني العزلة عن الممرات البحرية الكبرى. فهذه الدول لا تحتاج إلى مزيد من العتاد العسكري فحسب، لكن كذلك إلى إعادة إدماج مجالاتها الترابية في شبكات التجارة والاستثمار والإنتاج. وتندرج المبادرة المغربية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي ضمن هذا التصور الذي يمنح للربط الاقتصادي واللوجستي وظيفة استراتيجية في معالجة بعض مصادر الهشاشة. 

غير أن بناء منظومة أمنية إفريقية لا يمكن أن يبقى رهين المبادرات الوطنية وحدها. فالاتحاد الإفريقي مطالب اليوم بتحمل مسؤولياته السياسية والاستراتيجية كاملة. لقد أُنشئت مؤسسات قارية للسلم والأمن، ووضعت آليات للإنذار المبكر والوساطة والتدخل، لكن التجربة أظهرت أن وجود هذه الآليات لا يكفي عندما تغيب الإرادة الجماعية والتمويل والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. 

ولا يستقيم أن تظل القارة موضوعاً دائماً للمبادرات الأمنية الدولية، بينما يعجز إطارها المؤسسي الجامع عن فرض قواعد واضحة للحضور العسكري الأجنبي أو تطوير آليات فعالة للتعامل مع الأزمات العابرة للحدود. 

ويقتضي ذلك مراجعة عملية لمنظومة السلم والأمن الإفريقية، وتعزيز قدرة الاتحاد على الوقاية من النزاعات، وتنسيق العمل الاستخباراتي من خلال تقوية مكانة منصة مراكش ، وتفعيل القوة الإفريقية الجاهزة، وإرساء ترتيبات تمويل تضمن الحد الأدنى من الاستقلال العملياتي. كما يتعين أن تكون للاتحاد قدرة أكبر على معالجة التوترات بين الدول الأعضاء، لأن الانقسامات الإقليمية تفتح المجال أمام القوى الخارجية لتوظيف الخلافات الإفريقية ضمن حساباتها الخاصة: 

ومن الضروري كذلك أن يبلور الاتحاد الإفريقي تصوراً مشتركاً لشروط التعاون الأمني مع القوى الدولية، يراعي سيادة الدول وخصوصياتها، دون أن يسمح بتحويل الترتيبات العسكرية الثنائية إلى مصدر لاضطراب التوازنات الإقليمية. 

إن القمة الروسية الإفريقية الثالثة تمثل مناسبة لقياس اتجاهات الحضور الروسي في القارة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً يتعلق بموقع إفريقيا في النظام الدولي الذي يعاد تشكيله. فليس من مصلحة الدول الإفريقية أن تصبح امتداداً للمواجهة الروسية الغربية، كما لا يخدم مصالحها أن تختزل علاقاتها الدولية في الاختيار بين مراكز القوة المتنافسة. 

لقد امتلكت إفريقيا منذ الاستقلال سيادتها القانونية، لكنها لا تزال تخوض معركة امتلاك شروط استقلالها الاستراتيجي. وهذه المعركة لن تحسمها القمم الدولية مهما تعددت، وإنما قدرة الدول الإفريقية على بناء مؤسسات قوية واقتصادات منتجة ومنظومات أمنية قادرة على حماية المصالح الوطنية. 

في هذا الصدد، يمكن القول انه حان الوقت لكي يتعامل الاتحاد الإفريقي مع الأمن القاري باعتباره مسؤولية سيادية جماعية، لا ملفاً تتقاسم تدبيره القوى الخارجية. فإفريقيا التي تجتمع حولها القوى الكبرى مطالبة بأن تحدد بنفسها موقعها بينها. والتاريخ يعلمنا أن القارات التي لا تشارك في صياغة التوازنات الدولية تصبح، عاجلاً أم آجلاً، جزءاً من ترتيبات يقررها الآخرون. 

د. الشرقاوي الروداني

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.