الجيش الجزائري في النيجر: ترتيبات غير معلنة أم بناء مجال نفوذ عسكري في الساحل؟

25 أكتوبر 2026
الجيش الجزائري في النيجر: ترتيبات غير معلنة أم بناء مجال نفوذ عسكري في الساحل؟
الجيش الجزائري في النيجر: ترتيبات غير معلنة أم بناء مجال نفوذ عسكري في الساحل؟

تمغربيت:

بقلم د. الشرقاوي الروداني – خبير في الشؤون الإستراتيجية و الأمنية

لا يمكن اختزال قرار الجزائر إرسال قوات عسكرية إلى النيجر في مجرد تعاون أمني بين دولتين متجاورتين. فالتحرك الجزائري يأتي في سياق إعادة تشكيل موازين القوة في الساحل، خاصةً بعد تراجع النفوذ الغربي في المنطقة، حيث تسعى المؤسسة العسكرية الجزائرية إلى استعادة نفوذها في منطقة تتغير فيها التحالفات وتتراجع فيها فعالية أدواتها التقليدية. والأمر يتجاوز مكافحة الإرهاب او حماية المصالح الجزائرية في إطار ما تنص عليه أحكام المادة 91 من الدستور ، إلى محاولة بناء مجال جغرافي يسمح للجزائر بالمناورة العسكرية والاستخباراتية والتأثير في الخيارات الاستراتيجية لدول الجوار.

تنظر الجزائر إلى الساحل باعتباره امتداداً لأمنها القومي وعمقاً استراتيجياً لا ينبغي أن تستقر فيه قوى منافسة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التحرك نحو النيجر باعتباره جزءاً من استراتيجية لاحتواء ثلاثة أطراف تختلف أدواتها وتتقاطع مصالحها مع الحسابات الجزائرية: فرنسا والمغرب والإمارات العربية المتحدة.

ففرنسا تمثل الإرث العسكري والاستخباراتي الأوروبي في المنطقة، والمغرب استطاع توسيع حضوره الإفريقي عبر الدبلوماسية الاقتصادية والمبادرات الأطلسية، بينما أصبحت الإمارات فاعلاً يمتلك قدرات مالية وشبكات علاقات تسمح له بالتأثير في توازنات إفريقية حساسة. وتريد الجزائر منع تشكل ترتيبات إقليمية قد تجد نفسها خارجها، مع الاحتفاظ بالقدرة على التأثير في القرارات الأمنية والعسكرية لدول الساحل.

وتكتسب النيجر أهمية خاصة في هذه الحسابات. فهي نقطة اتصال بين جنوب الجزائر وجنوب ليبيا وشمال مالي، وممر تاريخي لحركة السلاح والتهريب والجماعات المسلحة. وأي انتشار عسكري جزائري مستدام في شمالها سيمنح الجزائر موقعاً متقدماً لمراقبة التحركات العابرة للحدود، وجمع المعلومات، وتوسيع نطاق تأثيرها نحو المجالين الليبي والمالي.

ولا يمكن فصل هذا التحرك عن الحساسية الجزائرية تجاه أي حضور عسكري إماراتي محتمل قرب حدودها الجنوبية، خصوصاً بعد المفاوضات التي جرت سنة 2019 بشأن مشروع قاعدة عسكرية إماراتية في شمال النيجر. فالموقع هنا لا تقل أهميته عن حجم القوات، لأن السيطرة على المعلومات ومراقبة الممرات الصحراوية قد تمنحان قدرة على التأثير تتجاوز الوجود العسكري المباشر.
أما في مواجهة فرنسا، فتبدو المفارقة واضحة. فالجزائر التي بنت جانباً من خطابها الإقليمي على رفض النفوذ العسكري الفرنسي في الساحل، قد تجد نفسها تسعى إلى شغل بعض المساحات التي انسحبت منها باريس.

وهي تريد تقديم حضورها باعتباره تعاوناً بين دول الجوار، غير أن ذلك لن يلغي التساؤلات حول طبيعة المهمة العسكرية وحدودها ومدتها.

ويختلف التحدي المغربي في طبيعته. فالرباط لم تتجه إلى الساحل من بوابة الانتشار العسكري، بل عبر بناء شراكات اقتصادية وسياسية وأمنية، وتعزيز الربط الإقليمي، خصوصاً من خلال المبادرة الأطلسية التي تتيح لدول الساحل إمكانات جديدة للولوج إلى المحيط الأطلسي. وهذا التوجه قد يقلص تدريجياً اعتماد بعض دول المنطقة على المسارات التقليدية التي كانت تمنح الجزائر وزناً جغرافياً وسياسياً.

ومن هنا يمكن فهم التحرك الجزائري باعتباره محاولة لإعادة إدخال العامل العسكري في معادلة إقليمية أخذت تتغير بفعل الاقتصاد والبنيات التحتية. فالجزائر تراهن على قوتها العسكرية لاستعادة قدرة التأثير في منطقة لم تعد الوساطة السياسية وحدها كافية لضمان حضورها فيها.

لكن أخطر أبعاد هذا الانتشار يتعلق بالتاريخ الأمني للتنظيمات الإرهابية في الساحل، وهو تاريخ يرتبط بصورة وثيقة بتطور الجماعات المسلحة الجزائرية.

فقد شكلت الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية إحدى الحلقات المؤسسة للتمدد الجهادي نحو الصحراء الكبرى، قبل تحولها سنة 2007 إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ومن خلال هذا التحول، انتقلت شبكات مسلحة وخبرات تنظيمية وطرق تمويل من المجال الجزائري إلى شمال مالي والنيجر وحتى بوركينافاسو ، حيث تطورت أنشطة الاختطاف والتهريب والاتجار غير المشروع.

وكان مختار بلمختار وعبد الحميد أبو زيد من أبرز الشخصيات الجزائرية التي ساهمت في بناء هذا الامتداد. وقد أفرزت الانشقاقات والتحالفات اللاحقة تنظيمات جديدة، وصولاً إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين للإياد اغ غالي المرتبطة بالقاعدة، بالتوازي مع تطور تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل عبر مسار تنظيمي مختلف.

وهنا تظهر مفارقة أمنية بالغة الأهمية وهي ان الجزائر التي تتجه إلى محاربة الإرهاب في الساحل ستواجه بيئة ساهمت جماعات جهادية جزائرية تاريخياً في تشكيل جزء من بنيتها التنظيمية.

ولا يعني هذا أن الدولة الجزائرية أنشأت تلك التنظيمات أو تتحكم فيها، لكنه يفرض التساؤل عن طبيعة المعرفة الاستخباراتية التي راكمتها أجهزتها بشأن قياداتها وشبكاتها، وعن مدى قدرة تلك المعرفة على مواجهة تنظيمات أعادت تشكيل نفسها داخل المجتمعات الساحلية.

وتزداد المسألة تعقيداً عند استحضار العلاقات التاريخية للجزائر بالحركات المسلحة في شمال مالي. فقد لعبت دور الوسيط بين باماكو والحركات الأزوادية، وصولاً إلى اتفاق الجزائر سنة 2015. غير أن انهيار هذا المسار وتدهور العلاقات الجزائرية المالية أضعفا إحدى أهم أدوات النفوذ الجزائري.

ومن هنا يبرز سؤال استخباراتي: هل تسعى الجزائر إلى تعويض تراجع نفوذها في شمال مالي من خلال تثبيت حضور عسكري في النيجر؟ وهل يمكن أن يصبح هذا الانتشار وسيلة لإعادة تنشيط قنوات الاتصال مع بعض الفاعلين المسلحين، أو مراقبة تحركاتهم والتأثير في موازين القوة بينهم وبين باماكو؟

إن التمييز بين الحركات الأزوادية والتنظيمات الجهادية ضروري، لكن ذلك لا يلغي تعقيد البيئة الأمنية التي تتداخل فيها الوساطات السياسية وشبكات التهريب والعلاقات القبلية والاتصالات الاستخباراتية. ولا تكفي هذه الاتصالات لإثبات دعم تنظيمي أو توجيه عملياتي، لكنها تبقى جزءاً من تاريخ إدارة النفوذ في المنطقة.

أما التهديد الإرهابي المباشر، فيتمثل أساساً في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وهما تنظيمان يمتلكان خبرة في استغلال النزاعات المحلية وهشاشة الحدود واستنزاف القوات النظامية. وقد يؤدي انتشار قوات جزائرية خارج الحدود إلى فتح جبهة استهداف جديدة، خصوصاً إذا تحول الوجود المؤقت إلى التزام عسكري طويل الأمد.

ثم إن الجزائر لا تتحرك في فراغ. فروسيا أصبحت طرفاً مهماً في الترتيبات الأمنية لدول الساحل من خلال الفيلق الإفريقي الروسي ، بينما تسعى الحكومات العسكرية إلى تنويع شراكاتها وتقليص اعتمادها على القوى الخارجية التقليدية. ولذلك ستجد الجزائر نفسها أمام ضرورة التنسيق مع موسكو دون التحول إلى طرف ثانوي في ترتيبات لا تتحكم فيها.

وفي هذا السياق، تتضح ملامح الاستراتيجية الجزائرية: بناء حزام تأثير أمني يمتد من الحدود الجنوبية نحو شمال النيجر، ويتصل بالمجالين الليبي والمالي، بما يسمح بتحويل الجوار الجغرافي إلى عمق عملياتي، والعمق العملياتي إلى نفوذ سياسي.
إنها محاولة لإقامة مجال نفوذ غير معلن، لا يقوم على السيطرة الترابية المباشرة، وإنما على جعل الجزائر طرفاً ضرورياً في القرارات المتعلقة بالأمن والحدود والتوازنات العسكرية. ومن خلال هذا المجال، تستطيع الجزائر توسيع هامش المناورة في مواجهة فرنسا، وموازنة الحضور الإماراتي، ومحاولة احتواء التحولات الجيوسياسية التي يساهم المغرب في تشكيلها داخل الساحل.
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضاً أساسياً. فالجزائر تسعى إلى توسيع نفوذها العسكري في وقت تتجه فيه دول الساحل إلى رفض أشكال الوصاية الخارجية، وتبحث عن شراكات تمنحها هامشاً أوسع من الاستقلالية. كما أن الحضور العسكري، مهما بلغت إمكاناته، لا يستطيع وحده تعطيل التحولات الاقتصادية أو ضمان ولاء الحكومات المحلية.

وتبقى النيجر أمام حساباتها الخاصة. فقد ترى في التعاون مع الجزائر فرصة لتعزيز قدراتها الأمنية وتنويع شركائها، لكنها ستواجه خطر التحول إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات الجزائرية مع مصالح قوى إقليمية ودولية أخرى.
أما الجزائر، فإنها تدخل اختباراً مختلفاً عن تجربتها في مكافحة الإرهاب داخل حدودها. فالقوة العسكرية التقليدية لا تضمن النجاح في بيئة تتغير فيها التحالفات، وتستفيد فيها التنظيمات الإرهابية من اقتصاد الحرب والانقسامات المحلية وامتداد العمليات عبر حدود متعددة.
والخطر الأكبر أن يتحول الانتشار الجزائري إلى استنزاف تدريجي، وأن تصبح حماية مجال النفوذ المفترض عبئاً عسكرياً وسياسياً دائماً.
فالساحل ليس فراغاً استراتيجياً يمكن ملؤه بالجنود والعتاد. إنه مجال تتصارع داخله الدول والتنظيمات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، وتتغير فيه الولاءات تبعاً لموازين القوة والمصالح.

قد تدخل الجزائر النيجر لتوسيع قدرتها على التأثير في الساحل، لكنها قد تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن هذا النفوذ أكثر مما تستطيع الاستفادة منه. فالمشكلة ليست في أن تطأ أقدام الجيش الجزائري أرض الساحل، بل في القدرة على الخروج منها دون أن تتحول الطموحات الجيوسياسية إلى استنزاف عسكري واستراتيجي مفتوح.
الشرقاوي الروداني

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة