
تمغربيت:
بقلم ذ. خالد عنوز
تتحرك الأقدار الكبرى على وقع المفارقات العميقة، حيث تتقاطع أوهام الأيديولوجيات مع صخرة الواقع الصلبة لتكشف عن بون شاسع بين حسابات الغرف المغلقة وعواطف الشارع الهائجة. فمنذ اللحظة التي أُسدل فيها الستار على فصول صدمة السابع من أكتوبر، انقسم الوعي الجماعي العربي إلى فريقين؛ فريق يرى أن الرمزية التدميرية لذلك اليوم “فتحا مبينا” ونقطة تحول كبرى تعيد رسم خارطة الكرامة والمجد، وفريق آخر يقرأ المشهد بمنطق استراتيجي مجرد، يزن الأمور بميزان الخسائر والأرباح والنتائج العكسية التي طحنت الحجر والبشر.
غير أن العجب كل العجب يكمن في ذلك التناقض العبثي الذي يطبع سلوك بعض الحركات التي تنظم وقفات في الساحة المغربية، حيث يستنزف الجهد والوقت في معارك استعراضية فارغة لا تقدم ولا تؤخر في معادلة الصراع الحقيقي، مسوّقة الاحتفال بالخراب على أنه نصر، ومتجاوزة بذلك الضوابط والموانع المؤسساتية والسياسية التي تفرضها السلطات بحكمة لتجنب الفوضى وحماية الاستقرار الداخلي من الحروق الجانبية لنيران مستعرة خارج حدود وطننا.
إن من يمعن النظر في بنية الخطاب الذي ينتصر لحركة حماس ويحتفل بذكرى طوفان الأقصى باعتباره معجزة تاريخية ونصرا عظيما، يدرك تمام الإدراك أنه يعاني من عمى استراتيجي مزمن يتغذى على الأوهام والشعارات الحماسية الفضفاضة. فالمنطق السليم والحجاج الرصين يقومان على تقييم الأفعال بآثارها ومآلاتها، لا بنوايا أصحابها ولا بحجم الصخب الإعلامي المصاحب لها. فعندما تكون حصيلة “الفتح العظيم” هي إبادة جماعية، وتشريد شعب بأكمله، وتدمير البنى التحتية وتحويل قطاع غزة إلى أثر بعد عين، فإن تسمية النكبة نصرا تصبح خيانة للمشاعر والعقل والمنطق… إنه منطق استهلاكي عاطفي يسترزق بالمآسي، ويقتات على صور الدماء لإنعاش شرعية شعبوية زائفة، ناسيا أو متناسيا أن الأوطان والدول لا تبنى بالخطب العاطفية ولا تحاز الحقوق بالمغامرات غير محسوبة العواقب التي تلقي بالشعوب إلى مهالك الدمار.
وهنا تنكشف المفارقة الصارخة عند إسقاط هذا العبث الأيديولوجي على الواقع المغربي من خلال تلك الوقفات والشعارات التي تتحدى قرارات السلطات وتستنزف الطاقات في الشوارع. فبدل توجيه البوصلة نحو بناء الذات، وتعزيز التنمية، وتحصين الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات المصيرية الحقيقية التي تواجه البلاد، يختار البعض الانخراط في طقوس عاطفية مستوردة تخدم أجندات خارجية لا تقيم وزنا لمصلحة المغرب العليا. إن منع السلطات لهذه الوقفات ليس تضييقا عبثيا، بل هو قراءة عاقلة لمدى خطورة استغلال القضايا العادلة لتمرير أجندات فوضوية تروم إجهاد الدولة واستنزاف طاقاتها في معارك وهمية. فشتان بين تضامن واع، ورصين، ومسؤول يزن الكلمة والموقف بميزان المصلحة الوطنية العليا للمملكة المغربية، وبين استعراضات غوغائية تحتفل بالخراب وتصفق للهزائم جاعلة إياها انتصارات وهمية.
ختاما، إن التاريخ لا يرحم ولن يرحم من يخلط بين السراب والماء، ولا يعترف ولن يعترف بمن يقايض استقرار وطنه ببطولات ورقية تُنسج على ركام المآسي الإنسانية. وحين ينجلي غبار الهتافات الزائفة وتتكسر أمواج العاطفة على صخرة الواقع، سيتضح جليا أن العقلانية وحدها هي بوصلة النجاة، وأن الأوطان لا تحميها الحناجر المبحوحة ولا الوقفات المستنزفة، بل تبنيها السواعد الواعية، والتبصر السياسي الخالص، والتشبث بركائز الاستقرار الذي يظل الحصن الأخير في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يصفح عن المغامرين.















![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":false,"containsFTESticker":false}](https://tamaghrabit.com/wp-content/uploads/2024/12/Picsart_24-12-10_19-00-50-100.jpg)
![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":false,"containsFTESticker":false}](https://tamaghrabit.com/wp-content/uploads/2024/12/Picsart_24-12-09_14-17-17-412.jpg)





















